في حياةِ كلٍّ منا دوائره الخاصة به، دوائر بشرية تُحيطه، يمر على الإنسان من تلك الدوائر الكثير يبقى منها من يبقى ويرحل آخرون، منهم من يبقى على خير وكذلك الراحلون منهم من على خير لأن وقته في دوائرك قد انتهى فقط ومنهم من يرحل مُحدثًا أذى.

تأتي في أولى الدوائر الدائرة الأقرب – لفترةٍ ما – دائرة أسرتك الصغيرة التي تتكون من أبٍ وأمٍ وإخوة، غالبًا تكون هذه هي أولى الدوائر التي سَتحتك بها في عالمك حتى قبل أن تعرف أن لك دائرة خاصة بك وحدك قد لا تشتمل بشرًا غيرك أصلًا، ثم تليها في المرتبة الثانية دائرة أكبر قليلًا وهي دائرة العائلة سَتجد داخلها الأقرباء – القريب منهم والبعيد -، وتتبع هذه الدائرة أخرى قد تكون صداقات الجيران أو المدرسة مثلًا، لا يهم، تختلف الدوائر من بعد دائرة العائلة من شخصٍ لآخر.

تمر بك السنون بعد ذلك وأنت تنتقل من دائرةٍ لأخرى وتتزايد في كل مرحلة الدوائر المحيطة بك حتى تصل إلى النقطة التي تكتفي فيها من كثرة الدوائر فَتبدأ بوضع حدٍ لهذا الجنون الذي لا يتوقف، هي مرحلة التطهير – الفلترة – حيث تُبقي الذين يستحقون البقاء فقط وتتخلص من البقية في سلامٍ قدرَ المُستطاع.

في الحقيقة لا تأتي مرحلة التطهير تلك بسهولة لكنها تأتي فعلًا بعد أن يكون الإنسان قد مر بفتراتٍ من الجنون الذي لا يُسيطرُ عليه أبدًا، المراحل الأولى هي التي يدخل فيها إليك دائرةٌ جديدة تدعى دائرة الأصدقاء وغالبًا تكون هذه الدائرة هي الأكثر تأثيرًا عليك لذلك تُصِرّ أمك دائمًا على تكرار تلك الكلمات «اختار صحابك كويس» وهي على حق، لأن ببساطة هم الوحيدون القادرون حقًا أن يؤثروا عليك بشكلٍ مباشر لا يقبل النقاش. دخول بعض الأصدقاء الطالحين إلى تلك الدائرة ضروريٌّ حتى تستطيع التفريق عند مرحلة التطهير فيما بعد.

لنأخذ الآن نظرةً عن كَثب حتى نرى تلك الدوائر من الداخل، الدائرة الأولى كما ذكرنا تكون للأسرة، في الواقع هي الدائرة الأهم لعددٍ من السنوات لسببٍ بسيط وهو أن الإنسان يرى العالم في تلك المرحلة المبكرة من عمره بعيون والديه وهذا يساعد كثيرًا في معرفة الصحيح والخاطئ، ثم شيئًا فَشيئًا تبدأ أنت في معرفة ذلك وحدك دون الحاجة لمن يدلك عليه –أمك وأبيك – في المراحل التي تلحق تلك المرحلة يبقى أمك وأبوك بمثابة البوصلة التي تُرشدك كلما ضللت الطريق، وبالطبع هذا يعني أنه من بعد ذلك سَيصبح لعينيك رؤيتهما الخاصة، هي رؤية دون رؤية أبويك فَلن يكونا هما المُحرك لك بعد الآن بل نفسك التي تعلمتْ منهما في البداية.

وبالحديثِ عن نفسك التي نمت أخيرًا – بعض الشيء – يمكنك الآن إقحام نفسك في ملايين الدوائر، تلك هي المرحلة التي سَتأخذك إلى الجنون الذي لا يقف حيث تُصبح حياتك حينها أشبه بشوارع القاهرة تعجُ بكل من هبَّ ودب، سَتتعرض هنا لأنواعٍ كثيرة من البشر أولهم أولئك الطيبون الذين ينثرون عليك الحب من قلوبِهم دون طمع، ثم يأتي أولئك الذين يحاولون جعل أنفسهم جزءًا من حياتك رُغمًا عنك حتى إنك إن حاولت إفهامهم فلن تفلحَ أبدًا!

أما النوعُ الثالث فهو الذي يقتحم القلوب دون استئذان، هم قليلونَ جدًا، تجتمعُ فيهم الطيبة والحب جنبًا إلى جنب شعورهم بأنك منهم فَلا يتركونك أبدًا للظروف، هم كَملائكة على الأرض حتى إنهم خفيفون على القلب يمرون مرورَ الكِرام مُحدثين تغيرًا تُحبه الأنفس ثم يرحلون إلى أن يأتي دورهم من جديد، الغريب عندهم فعلًا أنهم لا يتأخرون عنك أبدًا.

وهناك نوعٌ آخر يجعلك ترى الحياة بعيونٍ مختلفة ويجعلونك تسعى وراء الاختلاف لأجل نفسك، يُظهرون داخلك جانبًا مُضيئًا مليئًا بالحب الذي لم تتوقعه عندك أصلًا.

وأنواعٌ كثيرة لا يُهم ذكرها حتى، يكفي أن تعرف عنهم أنهم فترة من إحدى فترات السقوط في حياةِ أي إنسيّ منهم من يأتون بكثيرٍ من الدمار لكنهم على الرغم من ذلك يُعلمونك الكثير ويُوجهونك بعدها لمعرفة من هم مثلهم لتبتعد عن الأذى بسهولة.

هنا في الذروة حيث امتلأت شوارعك بالبشر الذين لا تعرف لهم فائدة، عليك الانتقال سريعًا إلى المرحلة الأهم في حياتك التطهير، هي اللحظة التي تقف فيها أمام دائرتك الخاصة التي اكتشفتها للتو طبعًا بعد أن علمت ملايين الدوائر التي أفهمتك أخيرًا أن لك دائرة لا تحوي بشرًا سواك، سَتجد نفسك غالبًا تلقائيًا تُخرج المتطفلين الذين أقحموا نفسهم رغمًا عنك وفي الطريق سَتترك غيرهم الكثيرين، يختلف هذا من شخصٍ لآخر لكن في النهاية نشترك جميعًا في ترك من يستحقون من وجهة نظرنا في تلك المرحلة حتى تأتي مرحلة ذروة جنونية أخرى تتبعها مرحلة تطهير جديدة إلى اللا نهاية.

خلاصة القول، لا تتوقف الحياة أبدًا وتستمر في جلب المزيد من البشر الذين يخلقون دوائر جديدة باستمرار وسَتستمر أنت في الوصول إلى الذروة والتطهير في نقاطٍ مختلفة من حياتك حتى يأذن لك ربك بالرحيل عن جميع دوائرك، فَما أنت إلا فترة في النهاية وكل الدوائر التي تُحيطك هي فترات أيضًا بالنسبةِ لك، فتراتٌ تُسلمُ فترات إلى الأبد.