وإنه من غير المتهوّك فيه  أن تناحر العرب في القرن الواحد و العشرين له جذور مردها إلى القرون الأولى إلى نظرية التآكل الداخلي التي أقرها هرمون الصراعات البيولوجي المقدر على عرق العرب و المجبول فيهم ومنه هو حتمية تفاعلية في دنيا الصدامات منقوشة و موسومة منذ القدم.

فلو أن أحدًا من المفكرين الاجتماعيين والمنظرين الفلاسفة وعلماء النزعات القومية والعارفين بتاريخ الشعوب الإنسانية تفرس في جذور أشرس النزاعات على مر العصور لوجدها من غير ريبة ولا بطلان أنها حتمية عربية .. وليست إسلامية، بل عربية محضة، وإن هذا الطرح الإنساني لا يختلف فيه اثنان ولا يتناطح فيه كبشان، إذ كيف لعديد من النزاعات الطائفية والصراعات الفكرية والتصادمات الجسدية العسكرية لم تفتك بأصحاب العرق الواحد، إلا نادرًا، فكانت فعلًا بضراوة مهد الشعوب العربية، ودليل ذلك متجل تجلي بلج الصبح إذا أسفر.

إذ لنا في تاريخ العرب البائدة والعاربة والحقبة الجاهلية خير أمثلة وأسوأها في نفس الوقت، كيف لا وأبناء الصلب الواحد يتناحرون فيما بينهم، فلا غرو أنه كانت هناك تناحرات ونزاعات بين بطون العرب العاربة التي تنحدر من صلب يعرب بن يشجب بن قحطان، والتي تسمى بالعرب القحطانية، ومثلها ما حدث بين بطون كهلان وحمير؛ مما أدى إلى جلاء كهلان من اليمن، وكذالك ما حدث بين آل غسان والضجاعمة في الشام، ودائمًا ما تكون الوصاية أجنبية خارجية، فلقد ولتهم الروم ملوكًا على الشام لغلبتهم الضجاعمة.

مع أنهم كانوا مجاورين لإمبراطوريتين عظيمتين هما الفرس والروم، ولم يفكروا يومًا في الاتحاد والإغارة عليهم .. أما على بعضهم في ومحيطهم فحدث ولا حرج. فحق فيهم قول القائل:

 بعضي على بعضي يجرد سيفه .. والسيف مني نحو صدري يرسل

 أما ما اندلع بين عبس وذبيان أبناء العم فيما سمي بحرب داحس والغبراء الفرسين الذين تسببا في القطيعة الطويلة والتي استمرت لمدة أربعين سنة فقصة طريفة تضحك وتميت القلوب في نفس الوقت حيث أريقت الدماء، بدون سبب منطقي.

ودائمًا ما تكون الأسباب تافهة، فنذكر مثلًا حرب البسوس هذه، وقد كانت السبب دائمًا فيها ما زين لهم من حب الشهوات، والحال هنا ناقة رعيت في مرعى خطأ، وكذالك دامت قرابة الأربعين سنة.

وكثير من القبائل العربية التي كان ديدنها التصادم والنزاع لأتفه الأسباب، مثل بني ذبيان هوازن، وقبيلة طيء وبني جديلة وبني ثعل وبني نبهان وبني تميم … إلخ.

فهذا ما كان من أمر الأوائل والجاهليين، ولا أقل من أن ننسى ما حدث بين العباسيين والأمويين أيام الاحتقان الدموي والتناحر العصبي، وكأنها عقلية راسخة وأيديولوجية متجذرة منذ القدم، وليس عصر ملوك الطوائف عنهم ببعيد في الأندلس، ومما يغر من هذه الأخيرة فقط المسميات والألقاب فمنهم من تسمى بالمعتصم، وآخر بالمتوكل، والآخر بالمعتمد، حتى جعلت الشاعر الحسن بن رشيق يقول فيهم:

 ومما زهدني في أرض أندلـــس .. ألقاب معتضد فيها ومعتمد

 ألقاب مملكة في غير موضعها .. كالهر يحكي انتفاخًا صولة الأسد

 وربما يشاطرني بعض المتفرسين الرأي في شؤون النزاعات والحروب بأنه في الحقيقة قد كان لهذه القبائل رؤساء هم العلية والسراة يسودون القبيلة، وكانت هي الأخيرة حكومة مصغرة أساس كيانها السياسي هو الوحدة العصبية، وإن لم تكن هذه الخرسانة الجامعة .. فالمنافع المتبادلة في حماية الأرض ودفع العدوان عنها، وجعل عدوًا واحدًا هو مشترك بينها، هذا الذي لم تصل إليه بداوة بعض الدول في الجزيرة العربية الآن في هذه الحقب.

وقد يقول قائل: إنه قد كان في قصص الأولين عبرة لهم هذا إن كانوا من أهل التأثر والتذكر لنا في الغرب ولهم في الشرق من الفاتحين أمثال ابن أبي السرح ابن حديج الكندي مالك بن طريف طارق بن زياد عقبة بن نافع، وكذا عماد الدين زنكي وابنه محمود وبعدهم صلاح الدين، ولا أقل منهم أن نذكر المغاربة أمثال الداخل والناصر والمعافري وغيرهم ممن صنعوا المجد والسؤدد بحق .. فحق فيهم قول الفرزدق:

أولئك آبائي فجئني بمثلهم .. إذا جمعتنا يا جرير المجامع

أما هؤلاء فقد عجزوا حتى عن السؤال، وربما نسوا بأنهم ساكنوا ديار الأمجاد، وإلا أحسب الذي قال بأنهم أحفاد ابن أبي بن سلول قد قارب الصواب:

 ألا تسألون الناس عنا وعنكم .. إذا عظمت عند الأمور الصنائع

 والغريب في الأمر أنك تجد هذا التناحر، وهذه النزاعات، تتم بينهم فقط، فبذلك يكونون قد خرقوا قوانين هذه البرادايمات، والأحرى بها أن تتم لدوافع قومية أو عرقية كما فعل الألمان أيام الحرب العالمية أو جينكيز خان عند اجتياحه ثلث الكرة الأرضية، ولم يمس بني جنسه بسوء مع كونه أميًا لم يدرس في مدرسة، ولم يقرأ كتابًا ولا تعلم في جيش نظامي، وما فعله الإسكندر المقدوني أو نابليون بونابارت أثناء حملاته العسكرية في روسيا إسبانيا البرتغال. إلى أن انهزم في معركته الأخيرة واترلوا أجدر أن نذكره .. ومما يعتبر من هذا الكورسيكي الأصل ذي الجذور الإيطالية أنه كان يتملكه كبرياء عنيف لأصله الكورسيكي ونزعة قومية لإيطاليا، فلم تحدثه نفسه يومًا في أن يغير عليها، بل على العكس نرى أنه قد ذب عنها ودافع عنها كثيرًا. ومنه فالمقاربة النزعوية آتت أكلها في هذه الحال.

أما هؤلاء العجول فقد أذهبوا من ماء وجوهنا الكثير، وليس لهم سوى مداراة ولية أمرهم في الغرب وهي أمريكا التي ينصاعون لها، ولا يكادون يخرجون عن أمرها في كل شبر وأمر، وتراهم يقولون لها:

 لك المرباع فينا و الصفايا .. وحكمك والنشيطة والفضول

 وضف الخنا والصغار وذل رأس .. وما قاله الولي فهذا ما نقول

 ففعلًا لهم الغنائم والكنوز والقصور والمجون، وكذا الفتور والولاء لوليهم الغشوم. أما على بعضهم البعض، فإن ذكرت ما يفعل بنا بكيت الأيام والسنين، ودليل ذلك فلسطين والعراق وسوريا واليمن وليبيا وتونس .. وآخرها قطر ولا عزاء إلا أن نقول:

 بعضي على بعضي يجرد سيفه .. والسهم مني نحو صدري يرسل

 النار توقد في خيام عشيرتي .. وعشيرتي ياللمصيبة تشعل

 يا ويح أمتنا بخنجر بعض من .. نسبوا إليها تستباح وتقتل

 قلنا ولم نفعل على أعدائنا .. وعلى أحبتنا نقول ونفعل

 عذرًا فقد يصحوا النؤوم ويمتطي .. ظهر البطولة من لديه المشعل

 فقد أجمع المفكرون وأغلب المنظرين على أن أوهن عرب الخليقة على وجه البطيحة هم عرب القرن العشرين والحادي والعشرين. وأكد الآخرون بأنهم قد وطدوا لنظرية جديدة هي نظرية التآكل الداخلي.