* يوسف أيها الصديق أفتنا.

* قالَ يابُنَيَّ لا تَقصُص رُؤياكَ عَلى إِخوَتِكَ فَيَكيدوا لَكَ كَيدًا.

* إِنَّهُ مِن كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظيمٌ.

ِ* وَإِلّا تَصرِف عَنّي كَيدَهُنَّ ُ.

* فَصَرَفَ عَنهُ كَيدَهُنَّ ُ.

* إِنَّ رَبّي بِكَيدِهِنَّ عَليم.

ِ* وَأَنَّ اللَّـهَ لا يَهدي كَيدَ الخائِنينَ.

* كَذلِكَ كِدنا لِيوسُفَ.

ما سر هذا التكرار لكلمة الكيــد ومشتقاتها وصورها المتعددة في سورة يوسف؟ .. أهي إشارة من الله عز و جل إلى الطبيعة البشرية التي تنزع إلى الكيد حتى بين الإخوة، وحتى إن كانوا أبناء نبي وأحفاد نبي؟ .. أم  أنها إشارة  إلى  هذا الطريق الصعب الذي ينتهجه أصحاب الرسالات والسائرين على دربهم  المحفوف بكل ألوان الكيد؟  أم أنه القدر الذي كتبه الله على هذه  الأمة وهذه المنطقة المصطفاة من بين بقاع الدنيا؟ لذلك ليس مستغربًا أن تتكرر رمزية يوسف وإخوته في التحليلات والمقالات والتقارير السياسية خلال هذه الأيام، حيث تصاعدت حدة الكيد على كافة الأصعدة، بل ليس مستغربًا ألا تكون هذه الرمزية خاصة بعالمنا العربي والإسلامي فقط، بل إنها ممتدة عبر ثقافات وديانات وقارات مختلفة، وهو ما دفعني لأن أستعين بهذا الخيط كبداية جديدة لمرحلة من مراحل البحث حول شايلوك وإمبراطوريته .. فـما زال نبي الله يوسف عليه السلام ينبؤنا بتأويل الأحاديث، بالرغم من آلاف السنيين التي تفصل بين زماننا وزمانه .. ولا عجب فقد قال الله تعالى في سورة يوسف: لَقَد كانَ في يوسُفَ وَإِخوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلينَ ﴿٧﴾.

اتحاد بني إسرائيل الأوروبي

من المدهش أن نعرف أن رمزية يوسف وإخوته تخطت التأويلات و التحليلات السياسية إلى ما هو أكثر فاعلية .. وذلك من خلال تأسيس الاتحاد الأوروبي، حيث العلم الأزرق ونجومه الأثنى عشر التي ليس لها علاقة بعدد الدول الأعضاء في هذا الاتحاد، وإنما هي رمزية تعبر عن الكمال كما تقول بعض المصادر على الشبكة العنكبوتية، لكنها أيضًا تعبر عن أسباط بني إسرائيل كما ورد في مقال يتحدث عن تصميم ورمزية علم الاتحاد الأوروبي نشرته صفحة Vatican Insider المتخصصة في شئون الفاتيكان، وأوضحت أن رئيس لجنة التحكيم لاختيار التصميم الفائز لعلم الاتحاد الأوروبي كان يهوديًا، لذا رأى في النجوم الاثنى عشر أسباط بني إسرائيل، بينما الحقيقة – والحديث ما زال للمقال – أن النجوم ترمز إلى تلك الهالة التي تحيط بتمثال العذراء في كنيسة سانت فاتيما؛ مما يؤكد على أن الاتحاد الأوروبي مسيحيًا كاثوليكيًا.

وغني عن الذكر أن أسباط بني اسرائيل هم ذرية يوسف عليه السلام وإخوته، وغني عن الذكر أيضًا أن لليهود تأثير قوي جدًا على الفاتيكان بالدرجة التي جعلته يصدر صكًا ببراءة اليهود من دم المسيح في ستينات القرن الماضي، ولكن ذلك لم يكن كافيًا عند اليهود، فأعاد تبرئتهم مرة أخرى في كتاب أصدره البابا السابق بندكتس السادس عشر في عام 2011.

لكن اللافت في حديث صحيفة Vatican Insider أنها في سعيها لنفي تأثير اليهود على أمم أوربا التي اتحدت بمباركة الفاتيكان أسهمت بدرجة كبيرة في تأكيد الأساس العقائدي الذي اجتمعت عليه دول أوربا المسيحية لتكوين هذا التجمع الدولي الذي يثبت أن الاتحاد الأوربي نشأ من أجل بعث جديد لما تبقى من أثر كيانات الحملات الصليبية، وهو ما أكده اجتماع البابا فرنسيس بقادة ورؤساء حكومات 27 دولة في الاتحاد الأوروبي في مارس الماضي للاحتفال بالذكرى الـ60 لتوقيع معاهدة روما التي تأسس بموجبها الاتحاد عام 1957 مما أثار حفيظة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان فتساءل صراحة: لماذا اجتمعتم في الفاتيكان؟! ومنذ متى كان البابا عضوًا في الاتحاد الأوروبي؟! وأشار إلى أن هذا الاجتماع الخطير أظهر بوضوح التحالف الأوربي الصليبي.

التجلي السياسي للعذراء

من هي سانت فاتيما المشار إليها في المقال السابق ذكره؟

اسم سانت فاتيما يتردد ذكره كثيرًا بين سكان القاهرة كأحد الميادين الشهيرة بمنطقة مصر الجديدة .. لكن قليلًا هم الذين يعرفون أن فاتيما أو فاطمة هي مدينة برتغالية عاشت بها إحدى أميرات الأندلس التي سبيت وأجبرت على اعتناق المسيحية فسميت على اسمها البلدة الصغيرة، ومرت قرون كانت بعيدة تمامًا عن الأضواء إلى أن اشتعلت الحرب العالمية الأولى، فحدث ما جعل هذه المدينة من أشهر المدن الأوروبية وأكثرها استقبالًا للساعين نحو الشفاء من الأمراض والنجاة من المآسي والكروب.

لقد تجلت العذراء مريم حسب الرواية المسيحية لثلاثة أطفال من الرعاة في هذه القرية وأخبرتهم عدة رسائل، منها رسالة عن الحرب العالمية الأولى التي كانت مشتعلة في هذه الفترة .. ورسالة أخرى عن عودة روسيا إلى البيت المسيحي .. في إشارة إلى أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية رفضت الانضواء تحت هيمنة الفاتيكان، وقبول بعض التنازل عن المعتقدات الأرثوذكسيـة حول طبيعة المسيح عليه السلام! ورسالة ثالثة سميت بالسر الثالث لم تفصح عن مكنونها الكنيسة بشكل واضح، فتارة تلمح بأنها ظهرت من خلال حادث معين كحادث محاولة اغتيال بابا الفاتيكان الأسبق يوحنا بولس الثاني، وتارة ترجئ الإفصاح عنها لوقت آخر، إلا أن في الآونة الأخيرة تردد أن الكنيسة أفصحت عن هذا السر، وقيل أن الرسالة تبشر بربيع مسيحي، أي أن هذا العام 2017 سيكون عام الانتصار على الشيطان وانتشار السلام!

عــودة فاطمة

ترى لماذا عادت فاطمة أو سانت فاتيما إلى الظهور مرة أخرى في الأحاديث التي تخص الاتحاد الأوروبي هذه الأيام؟ ولماذا أفصحت الكنيسة عن السر الثالث الآن؟ هل هي رسالة جديدة بعثت بها العذراء إلى أحفاد الأطفال البرتغاليين الثلاثة الذين تلقوا رسائل الأسرار في إصدارها الأول في عام 1917؟ أم أن هناك إجابة روسية على الرسالة الثانية تأخرت مائة عام  فكان هذا الجواب الروسي هو فحوى الرسالة الثالثة وسرها الدفين؟

لا أظن أن المتابعين للأحداث المتتالية و المتصارعة هذه الأيام لم يتوقفوا قليلًا ليتساءلوا عن الدور الروسي المتصاعد في الشرق الأوسط والعالم كله، ولا أظن أن حدثًا كتقارب الكنيستين الكاثوليكية متمثلة في الفاتيكان من جهة والكنيسة الأرثوذكسية الروسية والقبطية المصرية من جهة أخرى لم يثر انتباه المراقبين للأحداث .. حيث عقد اتفاقًا تاريخيًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى ينهي 16 قرنًا من الخلاف الجذري الذي شهد صراعًا تاريخيًا احتفظ بكثير من قصص الاضطهاد والتنازعات التي لا تستطيع الذاكرة المسيحية على الطرفين تجاهلها .. والغريب أن تأبى الذاكرة القبطية تحديدًا، إلا أن تطوي هذه الصفحة بمأساة أخرى تثير الكثير من علامات التعجب والاستفهام .. ألا وهو حادث دير الأنبا صمويلظ الذي حدث أيضًا في مايو (أيار) الماضي أي بعيد توقيع الاتفاق المشهود بأيام قليلة .. ذلك أن الأنبا صمويل كان أحد رموز هذا الصراع التاريخي، بل أحد ضحاياه.

إنك لأنت يوسف

ولنعد لسورة يوسف من جديد لنتتبع رحلة صبي من فلسطين ألقي في غيابات الجب؛ ليلتقطه بعض السيارة، فيأتون به إلى مصر .. ولرمزية المكانين في السورة بعد آخر له دلالة عظيمة .. فليس في قدر الله وإشاراته مصادفات .. وكأن الله تعالى أراد أن ينبئنا بما سيحدث عبر القرون على هذه الأرض التي تعرضت لسلسلة طويلة من الكيد المتواصل، وكأن هذه البقعة التي باركها الله بمسرى رسوله الكريم .. وبخطوات أنبياء الله عليهم السلام .. هي يوسف هذا العصر وكل العصور .. يوسف الجغرافيا والتاريخ والحضارة والدين .. يوسف خزائن الأرض وكنوزها وأسرارها .. يوسف الذي ألقي في غيابات الجب وراودته امرأة العزيز عن نفسه .. يوسف الذي سجن كيدًا وظلمًا ويوسف الذي سيعود بإذن الله على خزائن الأرض عزيزًا مكرمًا.

فاتفاق مسيحيي الشرق والغرب من بعد أن نزغ شيطان الزعامة بينهم، لم يكن إلا استهدافًا ليوسف هذا العصر، أي الشرق الأوسط، كما كانت من قبل الحروب الصليبية بمراحلها المتعددة، وقد قيل ذلك صراحة في اللقاء التاريخي الذي عقد في فبراير (شباط) من هذا العام 2017، وجمع بين بابا الفاتيكان وبابا الكنيسة الروسية الأرثوذكسية، حيث دعا البابا فرانسيس وبطريرك الأرثوذكس الروسي كيريل إلى استعادة الوحدة المسيحية لإنقاذ المسيحيين الذين يواجهون تهديدًا بسبب العنف في الشرق الأوسط!

وما يحدث في سوريا الآن ما هو إلا حلقة من سلسلة تاريخية تعاون فيها مسيحيو الشرق والغرب مع اليهود كي لا تفلت من أيديهم هذه القطعة الثمينة جدًا من الكنز الذي شغفهم ولعًا وطمعًا.

وفي رأيي أن فكرة تأسيس وطن لليهود على أرض فلسطين لم يكن بدافع عقائدي فقط كما تحاول الصهيونية العالمية توجيه الرأي العام العالمي نحو هذه الفكرة، لكن الحقيقة هي أن التحالف الصهيو – صليبي سعى لتدشين شركة في صورة  دولة لإدارة أعمال إمبراطورية شايلوك، وبالطبع كان لتأسيس هذا الكيان عدة أهداف، بالإضافة لإدارة أعمال إمبراطورية شايلوك الاقتصادية .. أهمها أنها تشكل عنصرًا غريبًا مزروعًا بين كتلة واحدة يجمعها الدين واللغة، وبالتالي هذا العنصر من شأنه قطع الطريق على أية محاولة لإحياء الخلافة الإسلامية من جديد، كما أن ظهور النفط في هذه المنطقة كان له أهمية بالغة في إيجاد كيان قوي يعد حارسًا لهذه المصالح الشايلوكية.

وفي كتابه النظام العالمي الجديد والقديم يقدم الكاتب الأمريكي اليهودي المخضرم نعوم تشومسكي رؤية تؤكد على  هذا الطرح فيقول: يبقى هدف واشنطن الذي سعت إليه على المدى الطويل، دون تغيير ممثلًا في بسط الهيمنة على مصادر الطاقة الرئيسة في العالم فهذه الطاقة مصدر هائل للسيطرة الاستراتيجية، وواحدة من جوائز التاريخ الكبرى، وبعد استسلام عرفات، وبعد أن أصبح الشرق الأوسط جديدًا وشجاعًا على نحو ما سمته نيويورك تايمز، فإن إسرائيل تقوم بدور الوكيل الذي ينوب عن الولايات المتحدة لتصبح مركزًا عسكريًا وصناعيًا وماليًا في نظام إقليمي يربط مصر وتركيا ودول الخليج المنتجة للنفط، فضلًا عن أعضاء ثانويين آخرين.

وللحديث بقية نستكمله في الحلقة القادمة بإذن الله.