طفح الكيل وانفجر البركان (الثورى) عند خواتيم 2010 ومطالع 2011 ــ فى مصر وتونس واليمن بشكل محدد؛ ومن بين الركام صعد تيار الإسلام السياسى، حتى بزر إلى قمة السلطة، بالاحتكار أو بالمشاركة، ثم هوى النجم الساطع انطلاقا من مصر فى منتصف العام 2013.
منذئذ تهيأت الفرصة لإعادة صعود اليسار العربى بديلا مستطاعا، ونجما مؤهلا للسطوع، ولكن التقاء تيار المحافظة على الوضع القائم Status ــ quo مع تيار محاولة العودة إلى ما مضى، جعل المحافظين والرجعيين على خط واحد مستقيم معاد فى جوهره لجدول أعمال «اليسار» ملخصا فى الشعارات الأساسية لثورة يناير 2011: حرية، تغيير، عدالة اجتماعية. وكانت محصلة هذا الالتقاء بروز ــ أو «إعادة بروز» ــ التيار المسمى بالليبرالية الجديدة، أو «النيو ليبرالية»، كما يسميها البعض.
وإنّا لنأمل أن تثير هذه الكلمات اهتماما مستحقا، وأن تفتح بابا واجبا للحوار بين المعنيين بالأمر من أهل اليسار فى مصرنا العربية وفى الوطن العربى الكبير.
إن اليسار – بصفة عامة ــ وجهته الأساسية هى الاشتراكية بأطيافه المتنوعة، وقلبها المركزى العدل التوزيعى للثروات والدخول تأسيسا على بناء قاعدة انتاجية قابلة للاستمرار زمنيا، وللتعمق موضوعيا من زاوية التصنيع والعلم والتكنولوجيا. وفى كلمات أخرى، اليسار يتجه أساسا نحو تحقيق التنمية الشاملة، مستخدما أدوات المنهجية التخطيطية دون إخلال بمقتضيات السوق حيثما وجدت.
أما اليمين فوجهته الأساسية إعطاء الأولوية لتطوير مصالح الأقلية الاجتماعية من الشرائح الاجتماعية ذات النصيب الأكبر من الثروة والدخل، فى مواجهة الأغلبية الشاسعة الممثلة لنحو 80% من أبناء المجتمع.
وفى كلمات أخرى، إن اليمين ــ كما هو قائم فى مصر الآن وفى سائر المنطقة العربية وعديد بلدان العالم النامى أو الآخذ فى النمو ــ يتجه إلى تعزيز الأنشطة الاقتصادية الهامشية نسبيًا، مع الاعتماد على إطلاق قوى السوق ــ العرض والطلب ــ دون تدخل فعّال من جهات الدولة، وذلك سعيا إلى تعظيم عوائد أصحاب الملكية الخاصة الكبيرة والرأسمالية من رجال المال والأعمال، الكبار بصفة أساسية، فى مواجهة العاملين والمنتجين المجردين، إلى حد كبير، من ملكية رأس المال المادى والمالى والمعرفى.
من عجائب الدهر أن الإخفاق الذريع لسياسات اليمين من نوع «الليبرالية الجديدة» ــ خلال فترة محاولة توريث السلطة (2004ــ2010) ــ لم يشكل رادعا كافيا للنخبة المصرية المتنفّذة بعد ثورة يناير 2011 بما يحول دون العودة إلى السياسات الفاشلة نفسها بعد حين، برغم أنها سليلة السياسات (الفاشلة) نفسها التى جرى انتهاجها منذ مطلع السبعينيات من القرن المنصرم حتى مطلع التسعينيات، تحت مسمّى «الانفتاح» ثم منذ مطلع التسعينيات حتى مفتتح القرن الجديد تحت مسمّى «الإصلاح الاقتصادي» وذلك بعد الاتفاق الشهير بين الحكومة المصرية و«صندوق النقد الدولي» فى مايو 1991.

نقد برنامج الليبرالية الجديدة

من دولة نامية إلى أخرى جرت سياسات «الصندوق» على نفس النسق، تحت راية تحقيق
التوازنات النقدية ــ المالية للاقتصاد، أى «التوازن الاسمى» باختصار. والرافعة الأساسية لسلة السياسات هذه فى المجال النقدى هى رفع أسعار الفائدة، وخفض سعر صرف العملة المحلية. ويؤدى رفع أسعار الفائدة ــ فيما يذكرون ــ إلى جذب المدخرات نحو الجهاز المصرفى وسوق المال من جهة أولى، وتقليل الإنفاق الاستثمارى «غير الضرورى» من جهة أخرى.
أما خفض قيمة العملة المحلية فيؤدى – فى عُرفهم – إلى خفض أسعار المنتجات المحلية حال تصديرها، مما يزيد التصدير بالتالى، ورفع أسعار السلع والخدمات الأجنبية حال استيرادها، مما يشجع على خفض الواردات، ويؤدّى بالتالى إلى نوع من التوازن فى الميزان التجارى وميزان المدفوعات إلى حد كبير.
أما السياسات المالية لليبرالية الجديدة فقوامها تقليص إنفاق الحكومة الاجتماعى ــ على الدعم الأساسى والتعليم والصحة وغيرهما ــ مقابل انخفاض مستويات ومعدلات الضريبة المفروضة على شرائح الدخل العليا.
هذا البناء الفكرى الضخم، الذى تم نقله إلى مصرنا العزيزة مؤخرا، سواء بدفع من (الصندوق) أو بغير دفع منه، يتجاهل الأخطاء الكامنة فى هيكل هذا البناء. فالتوازن الاسمى أو النقدى يتم فى هذه الحالة ــ إذا كان يتم أصلا ــ دون اهتمام موازٍ بالتوازن المستحق للاقتصاد العينى أو الحقيقى، أى التوازن القائم على التوسع المبرمج فى القطاعات الإنتاجية الأعلى قدرة على توليد الناتج بكفاءة أقوى فى الأجل الطويل، وهى الصناعة التحويلية والزراعة الأساسية والخدمات القائمة على العلم والتكنولوجيا.
لذلك تتم السياسات النقدية والمالية فى بيئة غير منتجة وغير إنتاجية، إلى حدّ بعيد. فارتفاع أسعار الفائدة وتراكم المدخرات لدى الجهاز المصرفى فى صورة ودائع لأجل، يحد من استثمارها المنتج من قبل أشخاص القطاعين العام والخاص الراغبين والقادرين على الإنتاج وفق خطة قومية شاملة مفترضة. 
وإن خفض قيمة العملة المحلية يؤدى إلى رفع أسعار الواردات ــ فى الاقتصاد المصرى المعتمد بدرجة عالية على الواردات من جميع الأنواع: استهلاكية ووسيطة واستثمارية ــ مما يؤدى إلى اشتغال واشتعال موجات متتابعة من ارتفاعات الأسعار. ومع انسحاب الدولة من الوظيفة الاقتصادية ــ الاجتماعية، يصعد المستوى العام للأسعار، وخاصة «أسعار المستهلكين» ــ انطلاقا من ارتفاع هوامش الأرباح لاحتكارات القلة، دون وضع ضوابط حقيقية لتلك الهوامش من قبل الدولة، مما يضع العبء الرئيسى على المستهلك النهائى ــ من بين كاسبى الأجور والمرتبات غير القادرين بطبيعة الحال على تعويض أثر التضخم على مستويات دخولهم الحقيقية.
وفى كلمة، يؤدى خفض قيمة العملة المحلية إلى رفع قيم الواردات دون أن يؤدى إلى تطوير الصادرات، نظرا لضيق قاعدة الأنشطة الاجتماعية، ولغياب خطة اقتصادية فعالة تحدد أولويات صارمة للإنتاج، ابتداء من تصنيع المنتجات التى تحل محل الواردات تدريجيا على مدى زمنى معقول.
أما خلل هيكل الضريبة لمصلحة الأغنياء، وتقليص أو إلغاء الدعم الموجّه للأغلبية الاجتماعية (80% أو 90% من السكان) فإنه يؤدى إلى تفاوت اجتماعى واسع النطاق عميق.
أما إطلاق آليات السوق الحرة دون تدخل فعال من الدولة، وفتح باب الخصخصة، مرة أخرى، بدلا من توسيع قاعدة النشاط المنتج للقطاع العام فإنه يؤدى إلى تعميق الركود.
بذلك يتآلف التضخم السعرى مع الركود الإنتاجى لتقوم «حلقة خبيثة» أو «دائرة شريرة» ــ على سبيل الإمكان وإن لم يكن على سبيل القطع ــ و لا فكاك منها حينئذ إلا بانتهاج سياسة نقيضة لليبرالية الجديدة، وفق برنامج متناسق لليسار.

برنامج لليسار مقابل برنامج «الليبرالية الجديدة»

هل من بنود فارقة وعلامات فاصلة فى برنامج لليسار، يصلح ردا مقترحا لمواجهة إخفاق الليبرالية الجديدة، تلك التى انتشرت كانتشار النار فى الهشيم مؤخرا فى مصر، سواء كسياسة أو كتيار فكرى، يشتغلان على مستوى التطبيق وعلى صعيد تكوينات النخبة المثقفة وخاصة منها تلك العاملة فى مهنة البحث الاقتصادى والتعليم الجامعى، فى جامعات العاصمة ــ حكومية أو خاصة ــ وجامعات «الأقاليم»...؟
فيما يلى نرصد أهم النقاط التى يمكن إثارتها فى هذا الشأن:
1ــ استعادة مقومات الوظيفة الاقتصادية ــ الاجتماعية للدولة فيما يتعلق بمصالح الغالبية الاجتماعية، من خلال العمل ــ عبر الزمن ــ على تلبية الحاجات الاجتماعية الأساسية، المادية منها والروحية، حاجات الغذاء والسكن والكساء والدواء، والتعليم والصحة والنقل والاتصال الإبداعى.
2ــ استعادة جوهر المنهجية التخطيطية، عبر تخطيط الإنتاج والاستثمار والتشغيل والتجارة الخارجية، لمقابلة متطلبات التحول الهيكلى للاقتصاد باتجاه صيرورة اقتصاد مصر «اقتصادا صناعيا جديدا» ثم «اقتصادا مصنّعا حديثا»، فى إطار الثورة العلمية – التكنولوجية المتجددة.
3ــ الانطلاق من الإرث «الكارثى» للتخفيض الدراماتيكى لقيمة العملة المحلية منذ مطلع نوفمبر 2016، سعيا إلى تشجيع التحول نحو بناء قطاعات إنتاجية وتصنيعية بديلة للواردات، اعتمادا على ارتفاع تكلفة الاستيراد مقابل تكلفة المنتجات المحلية. ويتطلب ذلك ــ من بين أمور أخرى ــ سياسة متناسقة نشطة لدعم مستلزمات الإنتاج الزراعى والصناعى والخدمى.
4ــ ضرورة العمل على توسيع الطاقات الإنتاجية لمشروعات القطاع العام إلى جانب تشجيع القطاع الخاص الصغير والمتوسط فى القطاعات الأعلى إنتاجية، وفق المخطط الإنتاجى والصناعى الذى تضعه الدولة ــ برؤيتها (الجديدة) ــ وتصمّم من أجله حوافز إيجابية وسلبية لتوجيه المنظِّمين صوب الأولويات المحدّدة، ومنها ما هو ضريبى أو ائتمانى ونقدى وصرفى ومصرفى.. إلخ.
5ــ وضع سياسة ضرائبية كفؤة من خلال تطبيق التصاعد الفعال لشرائح الضريبة، بما يكفل الحصول على حق المجتمع من رجال المال والأعمال والمهن الحرة العليا، واستخدام حصيلة الضريبة (المباشرة) لتمويل الدعم والخدمات الأساسية لغالبية المجتمع المنتجة.
بالتالى فإن المنطلقات الأساسية لبنود هذا البرنامج اليسارى واضحة تماما: أولها تحقيق التحول الهيكلى للاقتصاد باتجاه تنمية القطاعات الإنتاجية، وخاصة الصناعات التحويلية، وبصفة أخص الصناعات المنتجة للسلع والخدمات التى تحل محل الواردات عبر عمل مرحلىّ ممنهج. ولا بأس لدينا من العمل على تحقيق التوازن للموازنة العامة للدولة، ولكن ليس من خلال اعتصار جهد الغالبية الاجتماعية، وإنما بالتوزيع العادل للأعباء، وفق تفاوت القدرات، بما يحقق «الإنصاف» equity. ثانية المنطلقات، العمل على التقدم من «الإنصاف» ــ على طريق العدالة الاجتماعية Social Justice بشكل تدريجى ــ عن طريق مزج الإنصاف بالمساواة equality بمعنى تكافؤ الفرص، وخاصة الفرص التعليمية والتدريبية والصحية، لاكتساب رأس المال المعرفى المؤهِل لكسب الدخول المنتجة. ثالثة المنطلقات، التحول عما يسمى «الاقتصاد الحر» و «السوق الحرة» ــ (العمياء) ــ إلى الاقتصاد الممنهج أو الموجّه، المخطط تخطيطا قوميا شاملا، والذى يراعى منطق قوى السوق مع توظيفها لخدمة الأولويات التنموية بمعناها الشامل. ويندرج فى ذلك ضرورة تدخل الدولة بوضع سياسات فعالة وأدوات تنفيذية ناجعة ــ فق تدرج زمنى معقول ملزم ــ لنظم التأمين الاجتماعى والصحى، و«التعليم للجميع»، و«إدارة المواهب» للمتفوقين. كما يدخل فى ذلك تحديد هوامش الأرباح والنفقات وضبط المستويات السعرية وفق المعايير الصحيحة.