المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

عشية احتفاء تونس بالذكرى الخامسة لقيام الثورة التي أطاحت نظام زين العابدين بن علي، وأسست أول نظام حكمٍ تعددي في البلاد، اندلعت في مدينة القصرين (نحو 300 كم عن العاصمة، قرب الحدود مع الجزائر) انتفاضةٌ شعبيةٌ واسعةٌ، قام بها بدايةً مجموعة من الشباب الجامعيين العاطلين عن العمل احتجاجًا على محاولة مسؤول محلي التلاعب بقائمةٍ للتشغيل كان يفترض إرسالها إلى السلطات المركزية في المحافظة. وإثر ذلك، صعد أحد الشبابِ المحتجين (رضا اليحياوي، 28 عامًا) عمودًا كهربائيًا أمام مقر المحافظة لتحريض جموع الشباب العاطلين على التظاهر، فسقط ميتًا بصعقةٍ كهربائية. زادت الحادثة من غضب المحتشدين، وأدت إلى صداماتٍ استعادت خلالها المدينة شعارات أيام الثورة الأولى: “التشغيل استحقاق يا عصابة السُرّاق”.
وخلال وقت قصير، امتدت الاحتجاجات إلى مدنٍ أخرى داخل المحافظة نفسها، ومنها إلى المحافظتين المجاورتين (سيدي بوزيد وقفصة)، ثم امتدت إلى معظم أرجاء البلاد، وصولًا إلى العاصمة ومناطقها الأكثر تهميشًا (حي التضامن والكرم الغربي وغيرهما). وعلى الرغم من التدخل العاجل للحكومة لإقالة المسؤول الجهوي، والإعلان عن فتح تحقيقٍ إداري في شبهة الفساد التي طالت مسؤولين، فإنّ تدخّل “أطراف” من خارج الاحتجاج السلمي (بحسب اتهام الحكومة) حوّلها إلى مواجهات عنيفة بين قوات الشرطة والحرس الوطني من جهة، وبين مجموعات المنتفضين من جهة أخرى، مع أنّ الحكومة أعطت أوامرها إلى قوات الشرطة بتجنّب المواجهة قدر الإمكان، حتى إنها انسحبت أمام المحتجين، وغادرت، في أحيان أخرى، مقرّاتها الأمنية.

“الحراك الاحتجاجي قد خفّت حدّته، لكنّ الأسباب التي أدت إلى اندلاعه مازالت قائمة”

وقد انقسم الشارع التونسي تجاه نظرته للأحداث بين منادٍ بثورة ثانية ومن يتّهم أطرافًا “معادية”، تريد استغلال الوضع الهشّ في البلد لإحداث الفوضى؛ ما دفع الحكومة إلى إعلان حالة الطوارئ ومنع التجول ليلًا في محافظة القصرين، ثمّ في عموم البلاد، بعدما تواترت أنباء عن دخول أطرافٍ سياسيةٍ على الخط، ودعوتها إلى قلب نظام الحكم برمته، وذلك عبر دعوة أنصارها إلى الهجوم على المقرات السيادية في المناطق والمحافظات، وإيجاد حالة فراغٍ أمني وسياسي، تتبعه هجمات منظّمة لنهب مؤسسات مصرفية وسرقة محلات تجارية كبرى في أنحاء العاصمة وبعض مدن الأقاليم.

الفشل في معالجة الأسباب
على الرغم من تعاقب سبع حكومات على حكم البلاد، وإجراء ثلاثة انتخابات عامة منذ اندلاع الثورة، فإنّ ذلك لم يساعد في تنفيذ الوعود التي أطلقتها القوى والأحزاب المتنافسة على السلطة لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، وفي مقدمتها، البطالة وتحسين مستوى المعيشة ومستوى النمو والعدالة في التوزيع.
وظلت نسب البطالة ترتفع خلال السنوات الأخيرة، حتى وصلت، في بعض مناطق “مثلث الاحتجاج” (سيدي بوزيد – قفصة – القصرين) إلى 26.2 في المئة، مقارنة بالنسبة الوطنية البالغة نحو 17.6 في المئة؛ ثلثهم على الأقل من الشباب أصحاب الشهادات الجامعية. كما فشلت الحكومات في تغيير النظام التنموي الذي يميّز الجهات المحرومة التي عرفت تدهوراً كبيراً (ومتزايدًا) للأوضاع التربوية والصحية والخدماتية، فارتفعت نسبة الوفيات في مستشفيات المحافظات المهمّشة، كسيدي بوزيد وتطاوين وجندوبة، نتيجة غياب أطباء توليد أو غيرهم من أطباء الاختصاص، والإهمال، وعدم توافر الأدوية والمعدات اللازمة. وتزامن ذلك كله مع موجاتٍ متعاقبةٍ من التعيينات على رأس مؤسسات الدولة المحلية والمناطقية لأشخاصٍ كانوا محسوبين على دوائر الأحزاب الحاكمة، ومتهمين بالانتماء إلى دوائر الفساد في النظام السابق، إضافة إلى اتهاماتٍ موجهة لوزارة الداخلية تحديدًا بالعودة إلى الأساليب القديمة في التضييق على الحريات والتنكيل بالمناضلين، خصوصاً في مناطق خارج العاصمة. وساهم ذلك كله وغيره في إشعال فتيل الاحتجاجات في مناطق عدة.

صراعات النخب وهموم المواطن
بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأخيرة التي عدّها كثيرون رمزًا لنجاح تونس في تخطي مرحلة الانتقال الصعبة من الاستبداد إلى الديمقراطية، كان التونسيون يأملون أن تركّز الحكومة بعد استقرار الوضع السياسي على حلّ همومهم المعيشية ومشكلاتهم الاقتصادية والاجتماعية. وبدلًا من ذلك، كانت خيبة الأمل كبيرة عندما انشغلت النخب الحاكمة والأحزاب والقوى السياسية بصراعاتها البينية والداخلية، ثمّ نشوب صراعٍ طويل شهدته المفاوضات الاجتماعية بين نقابة العمال (الاتحاد العام التونسي للشغل) واتحاد أرباب العمل (اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية) من جهة، وبين الحكومة من جهة أخرى، والذي دام أكثر من ثمانية أشهر، وأدى إلى زيادة تدهور القدرة الشرائية للمواطن وغلاء الأسعار ووصول الإنتاج إلى أدنى مستوياته.
وقد زاد حصول انشقاق داخل حزب نداء تونس (الحاكم) من تعقيد الوضع في البلاد، بسبب تأثيره المباشر في الأداء السياسي والاقتصادي للحكومة. ووصل ذلك الصراع، في الشهرين الماضيين، إلى نشوب صراعٍ مرير بين قيادات الحزب ومؤسسيه، نتج منه سلسلة طويلة ومتعاقبة من الإقالات والاستقالات وإعادة التشكّل، مع استعمال كلّ “طرفٍ” ما يملك من أوراق ضغط ووسائل إعلام وتأييد خارجي، ودعم من أطراف في الدولة والمجتمع في هذه المواجهة. وكانت النتائج المباشرة لذلك، هي:

“زاد حصول انشقاق داخل حزب نداء تونس (الحاكم) من تعقيد الوضع في البلاد، بسبب تأثيره المباشر في الأداء السياسي والاقتصادي للحكومة”

• تأثر الأداء الحكومي على المستويات كافة، وتأثر أعمال البرلمان بعد استقالة نحو 20 نائباً من كتلة نداء تونس (الأكبر في البرلمان) وتشكيلها كتلة جديدة، ومطالبة بعض النواب باستقالة رئيس البرلمان، وتشكيل حكومة جديدة بعد أن فقد نداء تونس الأغلبية البرلمانية.
• تراجع الاستثمار الداخلي والخارجي، وصعوبة الحصول على مساعدات إقليمية ودولية لدعم المسار الانتقالي في تونس.
• تعمّق الانقسامات السياسية وتراجع الاهتمام بالمصلحة الوطنية، ما شلّ حركة الدولة وأضعف قدرتها على إطلاق إصلاحات عميقة، وأفقدها هيبتها وثقة المواطنين فيها.
• قابلية البلد المتزايدة للاختراقات الإرهابية، والتركيز على موضوع مكافحة الإرهاب.
وفي ظل هذه الصراعات والأزمات لم يجرِ الالتفات جدياً لمهمات تنمية الداخل التونسي في مواجهة تناقض رئيسٍ بين المركز والهامش، والذي كان – ولا يزال – من أهم مصادر التوتر الاجتماعي والثقافي في تونس، وسبق أن حرّك انتفاضات شعبية فيها.

التعامل مع الأزمة
في ظل هذه الأوضاع، اندلعت الأحداث الاحتجاجية، أخيراً، في القصرين وفي مناطق عدة من البلد. وعلى الرغم من خطورتها، لم تتعامل الحكومة معها بجدية في بدايتها؛ فقد غادر رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، في 18 يناير/كانون ثاني لحضور منتدى دافوس الاقتصادي، ثم زيارة فرنسا في 22 من الشهر نفسه، كأنه ليس ثمة من ضرورةٍ تستدعي بقاءه في البلد. كما تأخّر ردّ الفعل الرسمي للاتحاد العام التونسي للشغل بضعة أيام، على الرغم من إعلان قادته دعمهم التحركات المشروعة، ودعا في بيان له “الشباب المحتجّ إلى التظاهر السلمي بعيدًا عن كلّ أشكال العنف والتدمير وتعطيل الأنشطة، وينبّههم إلى انتهاز الإرهابيين والمخرّبين هذه الفرص للاندساس بين المتظاهرين، وبثّ الفوضى باعتبارها الوضع الأنسب للنّشاط الإرهابي، ولفكّ الحصار على الإرهابيين والمهرّبين”.
ولم يتدخل رئيس الدولة، الباجي قائد السبسي، رسميًا إلا عندما قاربت الأوضاع على الخروج عن السيطرة، فأعلن مشروعية تحركات الشباب السلمية، وحذّر من “ركوب بعض الأطراف، ومنهم أحزاب مرخص لها، وأخرى غير مرخص لها” موجة الأحداث وتوظيفها لمصلحة بثّ الفوضى وتسليم البلد إلى الإرهابيين. وأصدرت حركة النهضة، في 20 يناير/كانون ثاني، بيانها التي تدعم فيه التحركات الاحتجاجية السلمية “وتُنبّهُ إلى خطورة توظيف … المطالب لخدمة أجندات جهات حزبية معروفة”. كما تشاور رئيس الحكومة من باريس مع رئيس البرلمان وبقية مسؤولي الدولة، وأُعلن عن فرض حظر التجول ليلًا في مناطق البلاد كافة. وأعقب ذلك اتخاذ مجموعة إجراءات عاجلة لمصلحة الشباب العاطل عن العمل في المناطق ذات الأولوية (14 محافظة)، والتي رأى فيها ناشطون عديدون أنها جاءت ذرًّا للرماد في العيون، وأنها لا تستجيب أصلاً إلى المطالب المرفوعة.
ولئن ذهبت عدة أصوات سياسية وإعلامية إلى استبعاد “تورّط” أي جهةٍ، أو طرف حزبي، في ما يحدث في القصرين، وغيرها من المدن والمناطق في غياب أدلة قطعية وواضحة على ذلك، فقد ظهرت عدة أصوات، منذ إعلان حالة الطوارئ في القصرين، توجه الاتهام في تحريف الاحتجاجات عن مساراتها السلمية إلى عددٍ من الأحزاب، متهمة إياها بــــ “التجييش” و”اقتحام المقرات السيادية”، أو “توزيع الأموال” والسرقة والنهب. وانتشر، من جديد، خطاب المندسين والمؤامرات الخارجية على لسان الأحزاب الحاكمة، مع علم الجميع بعدالة المطالب وتفهّم خلفيات الاحتجاج القائمة على الغبن الاجتماعي.
وكان من اللافت طريقة تعاطي الشباب العاطل عن العمل من ذوي الشهادات العليا الذين عملوا على تنظيم صفوفهم في أثناء الأحداث. فقد كلفوا ناطقاً رسمياً يتكلم باسمهم ويصدر بيانات منتظمة (كما في حالة الشباب المعتصم في مقر محافظة القصرين أو في محافظة قبلّي بالجنوب الغربي)؛ إذ رفض التوظيف السياسي لتحركات المحتجين من لدن الأحزاب والقوى السياسية، كما رفض النهب والحرق ومهاجمة قوات الأمن، مصرّاً على سلمية الاحتجاج، ومعبّرًا بذلك (كما في القيروان، وفي ضاحية الكرم الغربي شمال العاصمة) عن تبلور وعي بالسياقات والخطوط الحمراء الواجب التنبه إليها. كما عبّرت الدولة (حكومة، رئاسة، برلمان) عن تفهّم أوضاع المحتجين وخطورة الوضع وتربص المجموعات الإرهابية بالتحركات؛ ما جعلها تؤكد على عدم اللجوء إلى المواجهة العنيفة لحلّ الأزمة واختيار الانسحاب أحيانًا أمام المحتجين، أو إخلاء المقرات (ما جلب لهم النقد الشديد والاتهام بالتقصير أحيانًا). لكنّ أسلوب تعامل الحكومة مع الاحتجاجات لقي تأييدًا أيضًا من مختلف الأحزاب والهيئات الوطنية، مثل اتّحاد الشغل.
وعلى الرغم من أنّ الأحداث خلّفت عددًا كبيرًا من الجرحى في صفوف المحتجين (أغلبهم ممن أصيبوا بحالات اختناق جرّاء استعمال القنابل المسيلة للدموع)، فإنّ مما يمكن أن يقال لمصلحة التجربة التونسية، أنه خلال أيام من الاحتجاجات لم يسقط قتيل واحد برصاص الأمن. وعلى العكس من ذلك، فإنّ القتيل الوحيد في هذه المواجهات كان من قوات الأمن، وسقط نتيجة رشق سيارته بالزجاجات الحارقة، فيما أصيب 114 عنصرًا.

“خلال أيام من الاحتجاجات لم يسقط قتيل واحد برصاص الأمن. وعلى العكس من ذلك، فإنّ القتيل الوحيد في هذه المواجهات كان من قوات الأمن”

خاتمة
صحيح أنّ الحراك الاحتجاجي قد خفّت حدّته، لكنّ الأسباب التي أدت إلى اندلاعه مازالت قائمة. فحدة الأزمة الاقتصادية، وغياب خطةٍ وعملٍ دؤوبٍ لتنمية الجنوب، وضعف الإنتاج (بل توقفه في بعض القطاعات)، وتدهور عوائد السياحة، إضافة إلى التجاذبات السياسية (كالصراع المرشح للتصعيد داخل نداء تونس)، والحاجة إلى إعادة رسم المشهد السياسي برمته، وإدارة دول العالم المتقدمة، ولا سيما أوروبا، ظهرها لتونس، وعدم دعم تجربة الانتقال الديمقراطية، كلها عوامل تجعل الحلول التي تقترحها الحكومة مجرد وصفات تسكين. ولم تعد هذه الحلول تلقى قبولاً لدى الرأي العام؛ ما جعل زعيم حركة النهضة، راشد الغنوشي، يطالب بعقد مؤتمر وطني حول التشغيل والبطالة في المناطق المهمشة. كما أخذ بعضهم يطالب بضرورة التفكير في إطلاق “مشروع مارشال” تونسي للمناطق المحرومة، يمر عبر إشراك القوى الوطنية كافة في بلورته، وبخاصة من يعنيهم الأمر مباشرة. لكنّ السؤال هنا: هل في وسع الحكومة الحالية التعامل مع التحديات؟
يبدو أنّ تونس ستبقى رهينة هذه الهزات الاجتماعية في الفترة المقبلة، ما لم تتداعَ القوى السياسية التونسية إلى العمل معاً لمواجهة التحديات التي تواجه البلاد، ومن منطلق الحرص على الحفاظ على المكتسبات السياسية الكبيرة التي حققتها ثورتها في السنوات الماضية.