مقدمة :

بعد وفاة الرسول – عليه الصلاة والسلام – مرت الأمة الإسلامية بسلسلة من الفتن أدت إلى صدام بين طائفتين من الصحابة أفرزت عن معركتين عظيمتين غيرت التاريخ الإسلامي، وأثرت عليه عميقً وهما صفين والجمل، وكان لهما أكبر الأثر في ذهني الأمة وعقلها الجمعي. الكتاب محاولة للتأصيل الفقهي السياسي بقصد الاستفادة مما جرى ومحاولة للنظر من جديد في الموروث التاريخي لصياغة مستقبلية لنظم إسلامية متعلقة بالحكم متحررة من الأثقال التاريخية وما تلاها من موروث فقهي تمت صياغته تحت الضغط وفي سياقات تتضمن محاولة الدفاع عن أي خطأ جرى في تلك الحقبة التاريخية.

إشكالية قبل البدء

الإشكالية قائمة بسبب أحاديث تنهى عن الخوض في تلك الأحداث مثل حديث “إذا ذكر أصحابي فأمسكوا”، واستنباطات بعض العلماء كعمر بن عبد العزيز حيث قال “تلك دماء طهر الله منها يدي فلا أحب أن أخضب بها لساني”، فالحديث إن صح اختلف في فهمه فمنهم من ذهب إلى أن المنهي عنه: الذكر بقصد التنقص أو الشتم. ومنهم من ذهب إلى عدم الخوض تمامًا كالإمام أحمد. غير أن كثيرًا من العلماء ومن أكابر علم الحديث كابن حجر والذهبي فصّلوا كثيرًا وذكروا التفاصيل الدقيقة لما وقع لا بقصد نكء الجراح بل بقصد الاستفادة والتعلم.

سبب طرح هذا الموضوع وأهميته

أن الأمة الإسلامية لن تخرج من أزمتها التاريخية إلا إذا عرفت كيف دخلت فيها، فكان لزامًا علينا أن نعرف ما جرى على الحقيقة، خاصة في ظل الظروف التي تعصف بأمتنا وفي أجواء الاستبداد الذي وجد له من يؤصل له في زماننا هذا. ولا تكاد توجد أمة ينعكس ظلال ما حدث في ماضيها على حاضرها ومستقبلها كمثل أمة الإسلام.

الخلاف السياسي بين منهجين

الخلاف السياسي بين الصحابة جرت معالجته عبر التاريخ بمنهجيات متباينة من أقصى اليمين لأقصى اليسار بين منهج التبرير لكل خطيئة وخطأ وقع فيما بينهم، وهذا المنهج كان من أنصاره ورواده ابن العربي المالكي القاضي وبعده تلميذه محب الدين الخطيب وقد سمى الكاتب مدرسته بمدرسة التشيع السني. ثم تتدرج المعالجة لتصل إلى منزلق الاتهام والقدح والتنقص منهم وهذا منهج الشيعة على اختلاف مناهجهم مع التباين أيضًا في مناهجهم.

يستقي الكاتب قواعده – معظمها – من منهج ابن تيمية في كتابه “منهاج أهل السنة” والمنهج بعمومه قائم على قاعدتين بسيطتين عميقتين: العلم والعدل، أي العلم بالوقائع حقيقة وعلى منهج المحدثين من حيث قواعد الجرح والتعديل، والعدل في تقديم المبادئ على مكانة الأشخاص بغير الانتقاص منهم. ثم يورد قواعد مفصلة إما مصرحًا بها من قبل ابن تيمية أو مورده تلميحاً.

خلاصة القواعد المذكورة في الكتاب

الصحابة – رضي الله عنهم – أصحاب فضل وسابقة، لكن مع الإقرار بحدود الكمال البشري وعدم اجتماع صفات الكمال إلا في قلة من البشر وثقل الموروث الجاهلي وتعقيد الفتن السياسية في ذلك الوقت فبالتالي قد يقع منهم الخطأ.

اعتماد منهج أهل الحديث في قبول الرواية ومن ثم فهمها في سياقها وزمانها بلا مبالغة ولا تكلف في التأويل، والابتعاد عن التعصب وعن محاولة “نصر الحق بالباطل”، لأن الحق غني عن ذلك.

وفي الكتاب تذكر القواعد بشكل أكثر تفصيلًا مع أمثلتها وبيانها، فعلى من أراد الرجوع إليها الرجوع للكتاب.

تقديم الكتاب

قدم للكتاب اثنان من رواد الحركة الإسلامية ومن مفكريها وهما الدكتور يوسف القرضاوي والأستاذ راشد الغنوشي.

قدم الدكتور القرضاوي مقدمة ثرية أشاد فيها بالكتاب وركز على جوانب فيه واقترح قواعد ممكن أن تضاف للقواعد المنهجية في الكتاب من أهمها أن الأمة الإسلامية ليست الحكام فقط، وأن الإسلام كان المرجع للأمة طوال هذه العصور.

أما الاستاذ الغنوشي فأكد على النظرية الإسلامية السياسية: “إن سلطان الأمة على حكامها، باعتبارها المستخلفة عن الله ورسوله في إقامة الدين”، لكن يحمل على الكاتب شدة تركيزه على تراث ابن تيمية وكأنه في كفة وبقية علماء الإسلام في كفة أخرى.

أما مقدمة الكاتب فيشير فيها إلى نقطة جوهرية وهي “أن أزمة الحضارة الإسلامية، هي أزمة دستورية في جوهرها، ويشير إلى ضرورة صياغة “فقه سياسي إسلامي”، ويشير أيضًا إلى داء تجسيد المبادئ في الأشخاص، وانتقاد الاستبداد أيًّا كان زمانه، ويدعو إلى ضرورة وضع حد فاصل بين الوحي (المقدس) والتاريخ الذي هو تجربة إنسانية، حيث لم يعرف التاريخ البشري – ولن يعرف – تحول المثل إلى مثال بشكل مطلق، وعدم تجريد حياة الصحابة من طبيعتها البشرية، ووضح أسباب استقائه من ابن تيمية، وذلك للتمييز الكيفي والكمي في كتابه منهاج السنة.

دعوة لقراءة الكتاب

وفي النهاية هذه شذرات لفهمي من قراءة الكتاب، حاولت جاهدًا أن أصيغها بطريقة مفيدة، لكنها لا تغني أبدًا عن قراءة الكتاب، وفي النهاية أرجو للجميع قراءة مفيدة وممتعة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست