e9870fcc-62c0-4adf-bcfc-44da0cee0be4.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

أمجد ناصر

أنهت الانتخابات البريطانية الأخيرة الشعبوية الانعزالية التي مثّلها حزب الاستقلال البريطاني (يو كيب)، وأرسلته إلى البرية يرعى أحلام يقظةٍ فاشلة. وبهذا، أرسلت رسالة بريطانية مختلفة تماماً بخصوص قوة الشعبوية ومصيرها في الديموقراطيات الراسخة.

لم يفز حزب العمال البريطاني في الانتخابات، لكنه لم يترك “المحافظين” يفوزون، لا على نحو ساحق، كما كانت تخطط تيريزا ماي، ولا على نحو مطلق، وذلك أضعف الإيمان. هذا يعني أن حزب العمال، الذي توقعت القوى السياسية اليمينية والليبرالية انهياره تحت قيادة اليساري جيرمي كوربين، استعاد أرضاً خسرها سابقاً، وجيَّش قوى شبابيةً لم تكن تهتم بالعملية الانتخابية برمّتها.
الشخص الذي شنَّت عليه الصحافة البريطانية، الشعبية والنخبوية سواء بسواء، حملة شعواء، لم تطاول، ربما، سياسياً بريطانياً من قبل، هو الذي صنع الفرق. أتحدَّث عن جيرمي كوربين. القاعدة الانتخابية لحزب العمال معروفة، تقريباً، ولم تتغير كثيراً: الطبقات الشعبية، العمال، مناطق الشمال الإنكليزي، شطر واسع من القوميات والأقليات. لكن هذه القاعدة الجماهيرية، الانتخابية، تعرّضت إلى تناهبٍ من قوى شعبوية صاعدة، أو شعرت بخيانة الحزب نفسه، في عهد “العمال الجدد” بقيادة توني بلير، فهجرته. الجديد الطارئ على الخريطة الانتخابية العمالية، بل البريطانية عموماً، دخول عنصر الشباب إلى هذه الخريطة، وانتزاعه مساحةً لم تُشغل من هذا القطاع قبلاً.
بعدما انتهت الانتخابات، وراحت مراكز بحث واستبيان تدرس النتائج، تبيَّن معها التالي: انقلبت الحملة الإعلامية ضد جيرمي كوربين، التي يمكن وصفها اغتيالاً علنياً للشخصية، إلى الضد، فبدلاً من أن يكون هو مقتل “العمال” ونقطة ضعفهم صار مُنقذ الحزب من الانهيار. تبيَّن أن نحو 20% من قرّاء أكثر الصحف الشعبية انتشاراً (ذا صن) صوّتوا في الانتخابات على النحو الذي حرّضت عليه الصحيفة، فيما نحو 80% من قرائها، ذوي الجذور الشعبية، صوّتوا العكس. كما تبيَّن أن شخصية جيرمي كوربين، وبرنامجه الراديكالي، هما اللذان جذبا الشريحة الشبابية إلى العملية الانتخابية، ومنعا المحافظين من الفوز. “عمال” جيرمي كوربين لا يشبهون “عمال” توني بلير. كوربين خاض انتخابات ببرنامجٍ يساري، بل يكاد يكون اشتراكياً تماماً، يعيد الاعتبار إلى المؤسسات العامة التي “خصخصت”، وبيعت إلى حيتان الأسواق عابرة الحدود، فيما لم يكن يتميز حزب توني بلير بشيءٍ عن “المحافظين”، حتى إنه كان يحظى بإعجاب زعيمة المحافظين مارغريت ثاتشر. لم يتراجع كوربين، نجم الانتخابات الأخيرة، قيد أنملة عمّا كان يقوله قبل الانتخابات، بل جعل بعض ذلك جزءا من برنامجه الانتخابي. واحدٌ غيره يسعى إلى الوصول إلى “10 داوننغ ستريت”، كان سينحني أمام العاصفة التي أثارتها في وجهه القوى المؤيدة لإسرائيل، بمن في ذلك مائة نائب برلماني من حزبه! لكن كوربين لم ينحنِ للعاصفة. ظل يعتبر إسرائيل دولة محتلة، ودولة عدوانيةً، حتى وهو في الطريق إلى الكرسي الذي جلس عليه من قبل تشرشل.
ما هي مشكلة الصحافة الشعبية والقوى اليمينية، واللوبي اليهودي، مع جيرمي كوربين؟
هناك قضايا اقتصادية واجتماعية، ومسيرة راديكالية لهذا المناضل العمالي، قد تكون جزءا من مشكلتها معه. ولكن ليس هذا فقط ما جعل تلك الصحف والقوى تكره كوربين حتى العمى. هناك قضايا سياسية قد تتقدّم على الأولى: موقفه من حروب بريطانيا في الخارج، الدعم المطلق لإسرائيل (ومن قبل، جنوب أفريقيا التي كان المتضامنون مع شعبها في مواجهة الأبرتهايد يرونه حاملاً لافتة أمام سفارتها في لندن طول النهار)، موقفه من الإمبريالية الأميركية وحروبها في العالم.
تحدَّثت عن أكثر من فارق بيَّنته الانتخابات البريطانية الأخيرة، هاكم أبرزها: أنهت الشعبوية الانعزالية التي مثّلها حزب الاستقلال البريطاني (يو كيب)، وأرسلته إلى البرية يرعى أحلام يقظةٍ فاشلة. وبهذا، أرسلت رسالة بريطانية مختلفة تماماً بخصوص قوة الشعبوية ومصيرها في الديموقراطيات الراسخة. أعطت اليسار البريطاني (والأوروبي) جرعة أمل بعدما كاد يشيّعه الشعبيون واليمينيون إلى مثواه الأخير. جعلت من قائدٍ عماليٍّ محليٍّ ونائب برلماني شبه مغمور، هو جيرمي كوربين، زعيماً سياسياً سيؤثر صعود نجمه على خياراتٍ سياسيةٍ، أوروبية وغير أوروبية، عديدة، حتى إن بيرني ساندرز في الولايات المتحدة وجد عزاءً في ما حققه كوربين من إنجاز سياسي في “القارة العجوز”.
لكن الدرس الأهم الذي نعيده، ونزيد عليه، يكمن في عودة “الأخلاق” إلى السياسة، والافتخار بالمبادئ بدل الخجل منها، وسقوط الانتهازية التي مثّلتها البائسة تريزا ماي، أسوأ تمثيل.
وها هم سكان البرج الحكومي المحترق يصرخون في وجهها: عارٌ عليك، يا تريزا ماي.

إعجاب تحميل...