e71b7c0a-5e96-435f-9c43-16a5a70748e4.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

معن البياري

محمود عباس أقل القيادات والشخصيات الفلسطينية اكتراثا بالشعبية والجماهيرية، ولم يكن في أي يوم معنيا بصورته العامة. ولذلك، لم يبد في أي يوم، وهو يطلق مواقفه المغايرة للمزاج الفلسطيني العريض، مشغولا بتأثيراتها على مكانته بين الناس.

ما الذي يمنع الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، من مغادرة رام الله إلى قطاع غزة، وأداء صلاة الجمعة الأخيرة من شهر رمضان هناك، والتجوّل في اليومين الأخيرين منه في مخيمات الشاطئ وخان يونس والبريج ودير البلح والنصيرات والمغازي وجباليا ورفح، ثم تأدية صلاة العيد في غزة، بين ناسها ومعهم، ومبادلتهم التهاني؟ هل من عائقٍ يحول دون أن يُبادر الرئيس عباس إلى هذا الأمر الطبيعي، والذي يتّصل بواجباته، وبوظيفته التي يتقاضى عليها راتبه الشهري؟ تعرّض قطاع غزة إلى ثلاث حروبٍ عدوانيةٍ إسرائيليةٍ شرسة في السنوات العشر الماضية، تفقدّت آثارَها الجسيمة وفودٌ وشخصياتٌ أمميةٌ وأجنبيةٌ عديدة، بعضها حكوميةٌ، غير أن فخامة الرئيس الفلسطيني لم يفعل هذا، ربما لذرائع أمنيةٍ، وأخرى متعلقةٍ بحيازة حركة حماس السلطة هناك، منذ الانقسام المعلوم بعد الانقلاب غير المنسي، وقد اكتملت قبل أيام عشرة أعوامٍ على ذلك الحدث العار، المخزي في واحدٍ من نعوته. ولكن هذه الذرائع نفسها هي التي كان يحسُن أن تشجّع رئيس دولة فلسطين على زيارة قطاع غزة، والإقامة فيه أسابيع أو شهورا. أما وأنه لم يفعل، وأما وأنه يقال إن حكومة وحدةٍ وطنيةٍ تبسط مسؤولياتها على جناحي الوطن، بحسب التعبير المستهلك، فإن مناسبة عيد الفطر المبارك، بعد أيام، فرصةٌ طيبة، ذات بعد نفسيٍّ حسن، في وسع محمود عباس أن يتدارك فيها خطأه المديد، وقد تعفّف سيادته (وما زال) عن عيادة جريحٍ في مستشفى أو زيارة أسرة شهيدٍ في غزة، واعتصم بتصريحاته إياها التي غالبا ما كانت مبعث توتيرٍ مضاعف. وآثر التجوّل في عواصم الغرب والشرق، عساه يصيب نجاحاتٍ دبلوماسيةً وسياسيةً فيها، وهو الذي قلما تُصادف عنه خبرا عن زيارةٍ قام بها إلى جنين أو نابلس أو الخليل.
لا تنتسب الفكرة المأمولة هنا إلى خيالٍ بورخيسي أو واقعيةٍ سحرية، وإنما إلى خيالٍ سياسيٍّ جريء وشجاع، الحاجة شديدة الإلحاح إليه في الراهن الفلسطيني الذي يمكثُ في القاع منذ سنوات، حيث التّكلس المعيب، والتخندقُ عند مكايداتٍ تافهة، وحيث يزداد تفاقماً نقصانُ الشرعية لمؤسسات صناعة القرار الفلسطيني، في الرئاسة واللجنة التنفيذية والمجلس التشريعي وما إلى ذلك من هياكل. وقصة البحث عن المصالحة بين حركتي فتح وحماس صارت أكثر من مضجرةٍ، وأكثر من سخيفة. وأن يكون محمود عباس في غزة سيعني اندفاعة عملية لهذا البحث المضني والممل، لو يفعلها هو بنفسه، ولا أحد غيره، ويخوض الحديث المباشر مع أهل غزة ووجهائهم، فيعرف الهموم والمشكلات هناك عن قرب، ويتحسّسها ويراها، ولا يبقى على الحال الذي ارتضاه لنفسه سنواتٍ، يتعامل مع ناس غزة (وغيرهم) كما لو أنه مستشرق، يطالع تقارير وصحفا ويستمع إلى نمائم وحكايات، ويوفد عزام الأحمد إلى الدوحة ليدردش مع موسى أبو مرزوق، أو إلى غزة لنرى صور الابتسامات إياها، ثم تتوالى الأخبار عن قطع رواتب، ونقصان مخصصات، وأزمة كهرباء، وغير ذلك من وقائع متوالية، تشعرك أن قطاع غزة عبء على رئيس جناحي الوطن الفلسطيني الواحد، وعلى فريق هذا الرئيس ومعاونيه.
تاريخيا، معلومٌ أن محمود عباس أقلّ القيادات والشخصيات الفلسطينية اكتراثا بالشعبية والجماهيرية، ولم يكن، في أي يوم، معنيا بصورته العامة. ولم يبد يوماً، وهو يطلق مواقفه المغايرة للمزاج الفلسطيني العريض، مشغولا بتأثيراتها على مكانته بين الناس. ولذلك، لم يتوفر الرجل على أيٍّ من علامات الزعامة، ولم يحدُث أنه سعى إلى شيء منها. وكان الظن أنه “سيُعالج” حاله هذا، لمّا تسّلم رئاسة الفلسطينيين، وتمثيل قضيتهم، والنطق باسمهم، إلا أنه لم يحفل بالمسألة، بل “تطرّف”، في وقائع ومناسباتٍ بلا عدد، في ازوراره عن الناس. ليس في أرشيفه صورةٌ لزيارةٍ قام بها إلى منزل أسرة شهيد (يحدُث أن يستقبل ذوي شهداء في مكتبه!)، أو جولةٍ في سوق شعبية، أو تفقد مستشفى، أو شيءٍ من هذا القبيل. ولذلك، إذا ما فعلها وفاجأ نفسه، وفاجأنا، بمباغتة قطاع غزة بزيارةٍ قبيل العيد وقضاء المناسبة فيه، فإن محمود عباس الذي سنراه هناك غير الذي نعرف منذ عقود، وسيطرأ على الحالة الفلسطينية عموما جديدٌ طيّبٌ مأمولٌ ومشتهى، ربما.

إعجاب تحميل...