مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

مصطفى العادل (المغرب)

الواجب على الدارس الغيور على وضع الأمة إعادة ربط الصلة بين حاضر الأمة بماضيها، ومحاولة فتح إشكالات اليوم المستغلقة بالنظر فيما مرّت منه الأمة من انهزامات وانكسارات، أسهمت، بشكل أو بآخر، في بناء تصور الإنسان الإسلامي لمجموعة من القضايا المصيرية.

كثيرة الأقلام التي تناولت قضية فلسطين، وكثيرة التي خصّصت مجالاً واسعاً للحديث عن بيت المقدس، سواء من حيث التأريخ لأهم أحداثه والأمم التي شاء الله لها أن تترك بصمتها على هذه الأرض الشريفة، أو من حيث معالجة القضية باعتبارها قضية أمة، تحتاج للكثير من العمل من أجل تحرير القول والكتابة فيها عن الأقل، خصوصا بعد الاحتلال الصهيوني الغاشم، وتجبّره على أهلها وتدنيسه لمقدساتها. فالقضية، إذا صح التعبير، عالمية، ودراستها والإحاطة بها من كل الجوانب تكاد تكون من المستحيلات.
ولا شك في أن هذه الدراسات وهذه الأقلام التي تجعل حظاً للقدس فيما تخطه نابعة من حبها هذه الأرض الشريفة، وتشوّقها إلى هذا البيت العظيم، فهي، من جهة، نالت شرف التأليف فيها، وأجر التهمّم بحالها من جهة أخرى، فعلينا احترام أهلها وتقدير ما توّصلوا إليه، والتماس الأعذار على مستوى فهمهم القضية، إلا أنّ ذلك لا يمنع أن نطرح ما نراه صالحاً لدعم القضية من حيث دراستها دون عزلها عن سياق الوحي وتاريخ الأمة.
ولعمري إنّ قضية فلسطين وبيت المقدس في القرآن الكريم كافية لتأسيس نظرية شاملة قائمة بذاتها، والإجابة على كلّ الأسئلة التي تطرح بهذا الصدد تاريخياً، فالقضية جزء من هذا الوحي العالمي الخالد، وهو ما يعطي لها القيمة التاريخية والعالمية الخالدتين، ولعل هذا هو ما تحتاج إليه الدراسات والكتابات التي اهتمت بالقضية. بل أكثر من ذلك، هذه النظرة الشاملة غائبة حتى في تصور الإنسان المسلم الذي يطرح قضية فلسطين والأقصى كجزء من اهتماماته ومشروعه.
ولعل المتأمل في واقع الإنسان المسلم اليوم يدرك دور هذا التصوّر القاصر لقضية فلسطين وتأثيره في طريقة التعامل معها، وهذا التصوّر نفسه هو الذي نراه في مختلف المجالات، فكرية وعلمية وثقافية ولغوية، إذ العربي في قطيعة مهولة مع تراثه العظيم، ما يجعله منبهراً أمام كلّ ما يصل إليه الآخر من تقدّم إعلامي وتكنولوجي.
الواجب على الدارس الغيور على وضع الأمة إعادة ربط الصلة بين حاضر الأمة بماضيها، ومحاولة فتح إشكالات اليوم المستغلقة بالنظر فيما مرّت منه الأمة من انهزامات وانكسارات، أسهمت، بشكل أو بآخر، في بناء تصور الإنسان الإسلامي لمجموعة من القضايا المصيرية، ولعل هذا التخلف، وهذه القطيعة هي التي جعلت دارسين كثيرين اليوم يتعاملون مع بيت المقدس وينظرون إليه من وجهة الآخر الغربي.
وغير خاف أنّ عدداً كبيراً من أبناء الأمة لا يعرفون شيئا عن قضية الأقصى، ولا يهمهم ما تعيشه غزة، وكأن الأمر لا يهمهم، وجزء آخر ممن يكتبون ويدافعون عن الأرض المباركة تراهم يطالبون باستقلال فلسطين وتخليصها من الطغيان الصهيوني وتمتيع الفلسطينيين بالصلاة في الأقصى، ويرون أنّ ذلك لا يحتاج إلا لقوة عسكرية، وكأن فلسطين شأنه شأن باقي البلدان التي تعرّضت للجبر والظلم والطغيان.
قضية فلسطين بمقدساتها وأرضها وأهلها ينبغي أن تطرح في الساحة الفكرية والثقافية للأمة التي إما أن تكون أو لا تكون، ثم ينظر إليها بمنظار شامل، ومن دون فصلها عن سياقها الديني والتاريخي للأمة، فالمتأمل في كنه هذه الحقائق يدرك الشرخ الواضح بين فلسطين في كتابات أبناء الأمة، وبين ما ينبغي أن يكون.
وجدير بالذكر أنّ فهم هذا التصوّر بهذا الشكل سبيل لفهم شامل وواسع لقضية فلسطين وبيت المقدس، وسبيل لإعادة النظر في طريقة التعامل معها، سواء في التعليم والتعريف بها، أو في الكتابة عليها والدفاع عنها، وهذه المسؤولية العظيمة والأمانة ملقاة على أعناق الأقلام والوسائل الحرة الصادقة التي دافعت وما تزال تدافع عن القضية، وعلى الأمة أفراداً وجماعات تنشئة جيل قادر على استيعاب القضية في شموليتها وعالميتها.

إعجاب تحميل...