#حصار_قطر فجَرت فيه الدول الثلاث في الخصومة، وقطّعت فيه الأرحام قبل الطعام في حرمة شهر رمضان. الحصار ارتد على صانعيه، فالعصا نفسها التي “توكأ بعضهم عليها” و”هشّ بها” الآخر على غنمه بشمالهم، رميناها، بحبل من الله بيميننا، فتلقفت ما صنعوا.

يقال إن موجات ارتداد الزلزال على جواره قد تكون أكثر ضررا منه.
يصدُق ذلك على ما قامت به السعودية والإمارات والبحرين من انتهاك غاشم ضد قطر، فجر 5 يونيو/حزيران الجاري، من قطع العلاقات والحصار، عقب حملة تحريضية على قطر، بعد جريمة اختراق وكالة الأنباء القطرية، وتلفيق (وفبركة) تصريحاتٍ، تم زجّها فيها، بنسبتها افتراءً إلى أمير قطر، في 24 مايو/أيار المنصرم.
فجَرَت تلك الدول في الخصومة، وفي تغليظ الحصار، وتهوين مسمياته “مقاطعة”، على الرغم من علمها الفروق الدقيقة بين المقاطعة والحصار الجائر، بما يعنيه من انتهاكٍ للقانون الدولي “بتطويق منطقة معينة وإغلاق حدودها”، بغرض إرغامها على تحقيق أهداف سياسية بالإذعان. حصار ثلاثي الأبعاد طوّق قطر براً وبحراً وجواً، خصوصاً أن قطر ليست لها إلا حدود برية واحدة فقط مع المملكة العربية السعودية.
على الرغم من ذلك، كان “الضارة النافعة”، فأضحى حصارا عكسياً، بل تسونامي، على صانعيه من عدّة جوانب:
أولا: فضح #حصار_قطر في مدة قياسية قصيرة “مؤامرة إعلامية على كل الجبهات”، بدءاً من جريمة القرصنة في وكالة الأنباء، واستخدام “دومينات خاصة”، نفخت كير أبواق إعلامية تملكها وتموّلها “السعودية”، وتُدار من الإمارات، هي وحسابات لصحف صفراء، يزعم أنها سعودية، فضلا عن تجنيد حسابات لجانٍ إلكترونية، عشية حدث الاختراق. والغرض أن يتعدد منفّذو الجريمة، ويتفرّق دم الضحية، كما في المؤامرة التي رسمتها قريش لقتل الرسول “ص”، وحماه الله تعالى منها، تنزّه رسول الله عن كل شبيه.
ثانيا: #حصار_قطر فيزيقي لا فكري. يدرك مراقبوه أننا في قطر كنّا وما زلنا أحراراً، فالحصار لم يأتنا من استبداد داخلي مورس علينا قهراً كغيرنا، بل لم تحرمنا فيه الدول المنتهكة، عبر إغلاق حدودها ومجالاتها البرية والجوية والبحرية، إلا من لقمة الفم، ولكنها لم تنجح في الوصول إلى عقولنا وإرادتنا، وهي أشرف ما نملك، على الرغم من محاولاتها المستميتة في الطعن في الظهر، والتخوين باللعب على وتر “القبلية” المقيتة، فتكاتف القطريون بفطنتهم بهاشتاغ #كلنا_قطر #قبيلتنا_قطر.
“لم تحرمنا في الحصار الدول المنتهكة، عبر إغلاق حدودها ومجالاتها البرية والجوية والبحرية، إلا من لقمة الفم، ولكنها لم تنجح في الوصول إلى عقولنا وإرادتنا”

وعلى العكس، حاصرت الدول الثلاث المستبدة ارتدادياً أدمغة أبنائها وعقولهم، بتكميم أفواههم، باختصارها قيمة تمثيلهم الشعبي الوطني، كرّمهم الله وأعز مقدارهم، في: “كلوا وارعوا أنعامكم”، أعني العصا في سياسة القطيع، لأنها تخشى شيئاً فتريد رعيةً لا مواطنين، ولسان حالها يقول: “فكركم وإرادتكم ملكنا، أما أفواهكم فهي لكم”، أعني بالأفواه على قاعدة “المعِدة”، لا الحناجر. وهذه تحولاتٌ بنيويةٌ في الكرامة الإنسانية، ما أوقع ما يقارب 32.6 مليون سعودي، و9346 إماراتيا، و1.45 مليون بحريني، في قبضة قوى قمعية مناهضة للكرامة الإنسانية، تمارس “فاشية العهر السياسي الترامبي”، حيث ضيّقت حقوقهم في الانفتاح المعلوماتي، وتحكّمت في المحتوى المتداول بإغلاقه بعد تزوير المحتوى في قنواتها، بل وفوق ذلك كله سحقت حق الإنسان بفرض عقوباتٍ جنائيةٍ وغراماتٍ جائرة، كالسجن 15 عاما والغرامة بثلاثة ملايين ريال عند التعبير عن الشعور، فيما أسمتها “جريمة التعاطف مع قطر”، مع اختلاف الغرامات من دولة إلى أخرى، ما يعيد إلى الأذهان الحقبة المكارثية المنبوذة في الخمسينيات المنسوبة إلى عضو الكونغرس الأميركي، جوزيف مكارثي، الذي تولّى قمع المثقفين الأميركيين وسجنهم عند معارضة السياسات الأميركية، ولم يُكسر إلا بوعي الشباب الأميركي، برفع احتجاجاتهم المدويّة ضد الحرب الأميركية العدوانية على فيتنام، هذا قبل ظهور عصر التكنولوجيا الرقمية والإعلام الاجتماعي.
ثالثا: #حصار_قطر فردَت فيه الدول الأكبر جغرافياً عضلاتها بالاستقواء بأمرين: أولهما، التمدّد الجغرافي، أعني المساحة فقط لا الحجم الدولي، فلم تعتمد الدول المعتدية على قوة النفوذ السياسي والجيوسياسي، وتبدّل محاور الثقل الدبلوماسي في العلاقات الدولية. وهنا الفرق بين النفوذ الذي حققته دولة قطر الصغيرة جغرافياً، الكبيرة دبلوماسياً واقتصادياً، وبين نفوذ تلك الدول، ما اقتضى الغيرة والهبّة لمعاقبة قطر، حتى لا يجرؤ الصغير جغرافيا مستقلا بسيادته، وحتى لا يعمل إلا تحت عباءة الكبير مساحةً. ولم تعِ الدول المعتدية أن هناك فرقاً بين الحجم في عُرف السياسة الدولية، والمساحة في عُرف الجغرافيا الطبوغرافية. الأمر الثاني: “التآمر التواطؤي” بتشكيل موقف ثلاثي التكتّل، مبنيٍّ على جريمة اختراق وحملة تحريضية وجيوش إلكترونية، أعدتها سلفا، بغرض شيطنة قطر على قاعدة الإعلام الحربي “اكذب واستمر في الكذب، حتى تختلط الأمور، فتصبح الكذبة حقيقةً، ثم تُصدّق”. فيما استغلته تباعا من أن “تويتر” المنصة الأكبر استخداما ونفوذا في منطقة الخليج، خصوصا لدى الشباب الخليجي، وباستغلال قوة الهاشتاغ فيه، في عولمة القضايا في هذه المنصة، مستفيدة من درس #أزمة_سحب_السفراء عام 2014، وأبعاد التصعيد فيها على “تويتر”، بما ثبت من استخدام تلك الدول لجاناً إلكترونية مبرمجة، للتضليل السياسي والتجييش الشعبي ضد قطر. ولم تفلح دول الحصار، على الرغم من مضاعفة جيوشها الإلكترونية، في حجب منصة “تويتر”، كونها أداة جماعية عامة ليست حكرا لدولة منها، فكانت المنصات الرقمية أدواتٍ فضحت الأكاذيب، وقادت الحقائق إلى العالم بأسره، على الرغم من العقوبات الجنائية، وغرامات التعبير التي فرضتها تلك الدول على مواطنيها، حتى لا تصل إلا من دولهم رسائل مسيّسة لا تختلف عن التي تمارسها الدول الثلاث، لأنها ببساطة تريد روبوتات لا شعوبا، وإلا “العصا”.
رابعا: #حصار_قطر يعد كاشفا للتعدّي الواقع علينا، نحن القطريين، في حقّ ديني لما يربو على الملياري مسلم، والذي لن يسكت عنه، خصوصا عندما تسيّس زيارة مكة أو “العمرة

“#حصار_قطر ارتداد اقتصادي على دول الحصار بخسائر مادية جمّة، في مجالات متعدّدة، وتضييعٍ لحقوق شعوبهم الاستثمارية مع دولة قطر، ذات القدرات الاقتصادية والفرص الاستثمارية الكبيرة”

والحجّ”، وذلك في أمرين: حرمان القطريين من المدينة المقدسة مكّة، بتأبطها سياسياً، ومنعهم من العمرة في خير الشهور، وتضييق الخناق على من كان فيها، بل طردهم منها خلال الساعات الأولى من قطع العلاقات، بأسلوب مهين إنسانيا، فما بالنا دينيا؟ “خصخصة دعاء القنوت”، إن صح لي التعبير، بتسييس مفردات دعاء صلاة التراويح في الحرم المكّي في أول أسبوع من الحصار، بتحويل نهايته إلى أجندة إملاءات سياسية، تزامنت مع الادعاءات السياسية نفسها.
خامسا: #حصار_قطر ارتداد اقتصادي على دول الحصار بخسائر مادية جمّة، في مجالات متعدّدة، وتضييعٍ لحقوق شعوبهم الاستثمارية مع دولة قطر، ذات القدرات الاقتصادية والفرص الاستثمارية الكبيرة، ما يذكّرنا بإخوة يوسف، وهم يجرّون خيبة الهزيمة: “ولَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ، قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا “.
سادسا: #حصار_قطر ارتداد سياسي، أسلم إلى تكتل دولي مضاد دان الدول المحاصِرة، بل وللأسف فتح النار عليها، لدمغها بالحجة نفسها التي افترتها على قطر، بدمغها بالإرهاب، وتمويله ظلماً وعدواناً، فعادت عليها سهام ملفاتٍ ظالمة، طالما رفضناها، ووقفنا في وجهها، مثل “11 سبتمبر”، وقانون جاستا، وتصدير إرهاب القاعدة وداعش، لسوء تقديرهم لحلف الصهاينة، وصفقة ترامب، وصكوك غفران #بنت_ترامب، بعيْد القمة الإسلامية الأميركية في الرياض، في مايو/أيار المنصرم. كما عادت سهام ملفات أخرى شائكة، خرجت من جعبة تقارير ملفي انتهاكات حقوق الانسان في “هيومان رايتس ووتش” ومنظمة العفو الدولية (أمنستي) منذ العام 2011، دوّنت في سجل كل من الإمارات والبحرين إلى تاريخه في 2017.
وأخيرا، #حصار_قطر فجَرت فيه الدول الثلاث في الخصومة، وقطّعت فيه الأرحام قبل الطعام في حرمة شهر رمضان المبارك، ولكننا نعود لنذكّر: أنّ الحصار قد ارتد على صانعيه، فالعصا نفسها التي “توكأ بعضهم عليها” و”هشّ بها” الآخر على غنمه بشمالهم، رميناها، بحبل من الله بيميننا، فتلقفت ما صنعوا.
Twitter: @medad_alqalam