بُني سجن الباستيل أول الأمر كحصن عند المدخل الشرقي لباريس في أواخر القرن الرابع عشر، ويقال إن بناءه قد استغرق ١٢ عامًا! ارتفعت أسوار الحصن لأكثر من ٢٠ مترًا، وكانت تربط بين ٨ أبراج أسطوانية مهيبة! كان حصنًا منيعًا في الأساس، قبل أن يتحول بعد ذلك إلى سجن كبير ضم بين جدرانه السميكة أكثر من ٦٠٠٠ سجين منذ إنشائه، وحتى سقوطه التاريخي! شمل هؤلاء: المسجونين السياسيين وأصحاب الرأي ومن عملوا بمجال الطباعة فأصدروا ما أسخط الملك أو أحدًا من حاشيته! بالإضافة إلى المسجونين الدينيين الذين خرجوا على آراء الكنيسة الكاثوليكية، ومن هؤلاء أتباع مذهب جنسن الذي كان يدعو لبعض الإصلاحات الدينية، وكان يردد بأنه لا عصمة للبابا!

اقتحام سجن الباستيل

استقر سجن الباستيل في أذهان العامة على أنه رمز للتعذيب وسيطرة القهر، وقد ألمح الكاتب العبقري تشارلز ديكينز في روايته الشهيرة قصة مدينتين إلى جانب من القهر الذي كان يُمارس في تلك الفترة، وكيف كان يستخدم سجن الباستيل في سحق الخصوم بكل بساطة.

باتت أسوار سجن الباستيل العالية وكأنها الفواصل بين طبقات الشعب الرسمية الثلاث: الطبقة الأرستقراطية، طبقة الكهنة (رجال الدين)، عامة الشعب (الطبقة الثالثة)! تلك الفواصل السميكة التي أجّجت طبقية مقيتة نخرت في عظام النسيج المجتمعي الفرنسي حتى باتت الدولة كهيكل آيل للسقوط! لقد فاقت الطبقية حد الخيال، فكانت هناك تفرقة حتى في طريقة الموت! فبينما يموت النبلاء المحكوم عليهم بالإعدام بفصل الرأس يموت أبناء الطبقة الثالثة شنقًا حال الحكم بالإعدام … لقد كان توحيد طريقة القتل مطلبًا في فرنسا يومًا ما! كانت أبراج السجن العالية في عيون الفرنسيين كحراس أقوياء متدرعين يسهرون لمراقبة من قد يجرؤ على أن يسير عكس التيار ليُوقّع الملك بعد ذلك بنفسه وثيقة اعتقاله أو ما اشتهر في ذلك الوقت باسم (الخطابات المختومة)! كانت الحجارة الداكنة التي بنُي بها السجن تستقر في موضعها بلا مبالاة لأكثر من قرنين من الزمان موحيةً بأن التغيير مستحيل وكأن كل شيء سيتغير من حولها وستبقى هي كباقي الحتميات الظالمة التي استمرت لعقود دون أن تتزحزح من مكانها!

لقد كان الظلم سيفًا باترًا قد غادر غمده إلى غير رجعة في فرنسا، حيث كان الإقطاع يلتهم أنفس الفلاحين الفقراء، وكانت الحالة الاقتصادية بائسة ويمكن رؤية دلائلها على أجساد الكثير من القرويين الذين ساءت أحوالهم الصحية! … لقد أصبح الخبز عزيزًا وأمسى القهر موطنًا! كانت أحلام الفرنسيين واهنة، وكانت العظام تئنُّ من سوء الحالة الاقتصادية ومن ثقل الضرائب على أكتفاها.

فِي ذلك الوقت كانت هناك نقطة نور متذبذبة تنبعث داخل الجمعية الوطنية التي مثلت الفرنسيين لأول مرة عبر انتخابات طبقية تمت لكل فئة على حدة، لكن الملك لويس السادس عشر أصر أن يذلّها ويتجاهلها كلما سنحت له الفرصة بذلك! لم يكن لديه الحس الكافي ليرى أن البركان على وشك أن يثور!

وفي يوم – لم – ولن ينساه كتاب التاريخ الفرنسي اندفع البسطاء من الهامش إلى متن الكتاب وانقلبت الأمور وتحول هذا الرمز (سجن الباستيل المنيع) إلى أيقونة للثورة الفرنسية! بل أصبح اقتحامه في ١٤ يوليو (تموز) من العام ١٧٨٩م هو العيد القومي لفرنسا حتى يومنا هذا، وليس يوم إعدام الملك أو يوم إعلان الجمهورية! مثلًا حمل الثوار بنادق وبعض المدافع كانوا قد استولوا عليها خلال فترة الإضطرابات وتجمهروا يحدوهم الغضب محاصرين السجن، أسقطت بنادق الحامية والحرس السويسري بالباستيل كثيرًا من الثوار حتى كلّت بنادقهم وعلم قائد السجن أنه لا أمل في حل الموقف بغير المفاوضات! فُتح باب السجن الضخم في النهاية وتدفقت أمواج الفرنسيين الغاضبين عبره. في النهاية لم يكن اقتحام السجن سببه تسليح الثوار وإنما إيمان الثوار بسقوط الباستيل هو ما أسقطه!

وانطلقت مدافع الثورة!

يمكننا اعتبار اقتحام سجن البساتيل في ١٤ يوليو (تموز) من العام ١٧٨٩م هو شرارة انطلاق الثورة الفرنسية بعد فترة من الإضطرابات والمظاهرات بسبب تمسك الفرنسيون بالجمعية الوطنية وقراراتها التي كانت تحاول إنصاف طبقة العوام بعض الشيء مقابل إصرار الملك أن يتجاهل الجمعية رافضًا التصديق على قراراتها، تلك الشرارة التي ظلت جذوتها مشتعلة بعد ذلك لعقد من الزمان قبل أن تستقر الأمور نسبيًا تحت قبضة نابليون في نهاية الأمر! لقد كان هناك دخان يتصاعد من تحت الرماد، وصل أنوف عامة الشعب وجزءًا من الطبقة البرجوازية، بينما زكمت أنف الملك والأرستقراطيين فلم ينتبهوا إلا والملكية على المحك!

انطلقت الثورة الفرنسية نتيجة لعوامل متعددة لا يستطيع المحللون الجزم بأوزانها النسبية أو حسم أيها كان القشة التي قصمت ظهر البعير؟! ولكن ما هو مؤكد أن الظروف الاقتصادية السيئة والتي كان من أسبابها تداعيات حرب الأعوام السبع، بجانب اتباع سياسة مالية غير حصيفة حُملت فيها ضرائب باهظة على أكتاف الطبقة الثالثة في الأساس؛ تلك الطبقة التي كانت تعاني من داء التمييز في وطن كان مقسمًا بشكل واضح إلى درجات كما أسلفنا الذكر! بجانب الطبقية المقيتة التي شق نصلها المجتمع ليقسمه إلى سادة وعبيد! لقد كان الجو في فرنسا عنصريًا من الدرجة الأولى!

وإن كان لابد من اقتطاف مشهد وحيد لشرح الوضع، فيمكنني الإلماح إلى المسرحية الشهيرة: زواج فيجارو، والتي عُرضت قبيل الثورة الفرنسية في باريس، والتي كانت تتناول ما كان يُعتبر حقًا من حقوق النبيل من معاشرة زوجة أي من فلاحيه في ليلتها الأولى عند إتمام زواج – قد تم بعد موافقته بالطبع – وقبل أن يمسها الفلاح نفسه! ربما كانت هذه المسرحية المأساوية تشرح فصلًا من فصول المأساة فحسب، وقد هيجت هذه المسرحية مشاعر العامة تجاه النبلاء، ولقد لحن الموسيقار العظيم موتسارت لحنًا بذات الاسم: زواج فيجارو، في العام ١٧٨٦م.

لقد تداعت أحجار الإقطاعية مع اقتحام سجن الباستيل والذي وإن كان يحوي حينها ٧ سجناء فحسب، فقد كان رمزًا للنظام بكل فجاجته، لقد تغيرت ألوان علم فرنسا إلى ثلاثة ألوان تمثل شعارات الثورة الفرنسية الشهيرة الثلاث؛ الحرية والإخاء والمساواة، لتتغير أعلام الكثير من البلدان تبعًا لها بنفس النمط تقريبًا مع اختلاف الألوان ودلالاتها، ويبدو هذا واضحًا في معظم أعلام أوروبا التي تصدعت الممالك فيها عقب اندلاع الثورة الفرنسية، لقد صدّرت فرنسا الثورة بعد أن كانت عنوانًا للقمع وسجنًا للحريات! وقد كان هذا تحديدًا هو ما يُقلق الملوك في أوروبا الذين حاولوا تجييش عساكرهم لسحق فرنسا والفرنسيين للحفاظ على هيبة الملك، والتي ستصب في هيبتهم أمام شعوبهم وترسخ حكمهم! وفِي نوفمبر (تشرين الثاني)  من العام ١٧٩٢م وجدت فرنسا نفسها تحتل الألب والراين وبلجيكا، كما أعلن المؤتمر الوطني الحرب على إنجلترا وهولندا أول فبراير (شباط) ١٧٩٣م، ثم أعلنوا الحرب على إسبانيا في مارس! تبع ذلك إعلان الحرب على إيطاليا وعلى البابا ذاته! لم يُرِد ملوك أوروبا أن تسقط فرنسا بهذه الطريقة، كما أراد الفرنسيون بكل تصميم أن يحافظوا على مكتسباتهم، بل وأن يصدروا ثورتهم، لقد علموا أن أية خطوة إلى الخلف ستفصل معها ملايين الرقاب من الثوار. لقد خرج المارد الفرنسي من قمقمه، وأقسم أن ينتقم وأن ينشر روحه عبر العالم!

خط سير الثورة الفرنسية

عشر سنوات تغيرت فيها دفة القيادة عدة مرات والتهمت المقصلة (جيلوتين) الشرهة آلاف وآلاف الرقاب حتى نجى منها مخترعها نفسه – الذي سميت على اسمه – بأعجوبة! ١٠ سنوات حتى جاء نابليون في العام ١٧٩٩م لتهدأ وتيرة الأحداث -نسبيًا – بعد ذلك، سيطر خلال تلك الفترة البينية عهد يسمى بعهد الإرهاب، ارتكبت فيه الكثير من الإعدامات بحجة الحفاظ على الثورة حتى مرت شفرت المقصلة عبر رقبة الملك لويس السادس عشر وزوجته الملكة ماري أنطوانيت، بل والكثير من المعارضين والذين كانوا ثوارًا يومًا ما؛ ففصلت المقصلة رأس دانتون، وروبسبير ذلك الخطيب المفوّه الذي ظل زعيمًا فرنسيًا لفترة طويلة، كما تم اغتيال القائد الثوري التاريخي ميرابو قبل ذلك، والذي كانت جنازته تاريخية بحق! لقد كانت فترة تراجيدية سوداء تتقلب فيها الأحداث كموج البحر.

وسط هذا الكم من الدماء أُعلنت الجمهورية وسقطت الملكية وأصبح لفرنسا دستور وأُلغيت الامتيازات الطبقية وأُزيلت الفوارق العنصرية! فبدأت شمس عهد جديد تبزغ من خلف تلال من التضحيات وأكوام من المآسي وأطلال من الآلام وبحر من الدموع ناشرة ظلًا طويلًا يخترق شوارع فرنسا لخشبة المقصلة الشرهة.

خاتمة

إن الثورة الفرنسية أضخم من أن يشملها مقال واحد أو حتى كتاب واحد، فهي ثورة طويلة معقدة، كثيرة الأحداث، متشعبة التفاصيل. إن فصل الثورة الفرنسية في متن كتاب التاريخ الحديث دائما ما يجذب أعين الباحثين فقد كانت ولا تزال ملهمة وتمثل مجالًا مفتوحًا وساحة ممتدة للدراسة واستلهام الدروس والعبر!

إن دراسة الثورة الفرنسية أمر مفيد؛ فالثورة الفرنسية ثرية من حيث أحداثها الطويلة وتفاصيلها الكثيفة لفهم سيكلوجية الجماهير وطباع القادة وثوابت في النفس البشرية. يمكنكم أن تعودوا إلى كتاب ألبير سوبول (تاريخ الثورة الفرنسية) وهو كتاب وصفي مفصل، أو كتاب جوستاف لوبون (تاريخ الثورات والثورة الفرنسية) وهو كتاب تحليلي موجز بعض الشيء، أو إلى كتاب الصحفي والكاتب المصري لويس عوض (الثورة الفرنسية) وهو تجميعة مقالات موجزة تشرح تفاصيل الصورة ببساطة من زاوية بعض الأحداث والأشخاص ودون الخوض في التفاصيل. يمكنكم الرجوع إلى هذه الكتب أو غيرها لتشاهدوا الثمن الباهظ الذي دفعه الفرنسيون ليمحوا واقعا مأساويا تراكم نتيجة لتغافلهم عن دحضه لمدة طويلة.

إن تأخر معالجة المرض حتى يستفحل شر مقيت وداء عضال وكلفة علاجه في النهاية باهظة ثقيلة! ولم يعرف التاريخ وصفة ليست ذات أعراض جانبية! ومتى يبدأ حقن الدواء في شريان الوطن فإنه يشرع في التلوي من نغزات المرض من ناحية ومن مرارة الدواء من ناحية أخرى ويصبح التوقف مستحيلًا، فالتوقف يعني الهلاك الحتمي! إن هذا هو أول ما تثبته الثورة الفرنسية بحروف خُطت من دماء جيل كامل قرر أن يرسم مستقبلًا أكثر إنسانية لأبناء وطنه.