ملحوظة

هذه السلسلة من المقالات مشاهدات حقيقية رأيتها من واقع تعاملي مع عالم القطط، سجلت مشاهداتي بأسلوب أدبي يسير، وقارنت فيها بين عالم الإنسان وعالم الحيوان؛ لتكون منها الحكمة والموعظة.

بعيدًا عن مدينته الثريّة، وبعيدًا عن قطته المدلّلة، ذهب ذلك الفتى إلى أرض مدينة أخرى غالب سمتها الفقر وضيق الحال، وهناك تعامل مع البشر المُعوزين كما اقتضت ضرورة عمله كما تعامل كذلك مع هرات ذلك المكان المعوزات!

إن طبيعة ذلك الفتى الطِّيبة ُوالعطفُ على غيره ممن يستحق العطف، تعلم ذلك من قطته اللطيفة الطيبة التي تحتاج العطف والحنان بين الفينة والفينة فيغمرها بحنانه المتمثل في مسحه بيده الحانية على رأسها الصغير ومشاركتها له الطعام والشراب، لم تفارق الطِّيبة ذلك الفتى حين غادر دياره، فقلبه مملوء بالودّ والمروءة، وكما توقع فقد التقى قطة مشردة في هذا المكان لا تختلف في تشردها عن مشردي البشر! فهي تحتاج العطف والإحسان، مثل جيرانها من بني الإنسان، بعينيه المتفرستين عرف الجوع في عيون تلك السنانير الشاردة، فلم يألها جهدًا في أن يقسم طعامه بينه وبينها لينام ليلته مرتاحة معدتُه ومرتاحا ضميرُه الطفولي البريء! فعلًا نادى الفتي على القططة كما ينادي على قطته التي تركها في داره مشتاقًا إليها وقد انتظر أن تأتي إليه القطة متلهفة مهرولة، ولكنه فوجئ بما لم يتوقعه!

القطة لم تبرح مكانها، وكأنها متسمّرة كأوتاد الخيام المربوطة بالأسباب! تعجب الفتى الذي لا تخطئ فراسته أبدًا، تُرى لماذا لم تقبل تلك الهرة على الطعام، وأنا أرى الجوع يشعل عيونها كالجمر المستعر؟! بدأ الفتى يخطو خطوته الثانية، وقام بالنداء العملي الذي من المؤكد أنه سوف يجذب الهرة كما يجذب المغناطيس الخِياط! وضع الطعام أمام عيونها، ثم كشفه وانتظر ليرى القطة ما تفعل؟ ولكن لا حياة لمن تنادي، القطط شاخصة أبصارها إلى فتانا الواجم الذي لا يجد تفسيرًا منطقيًا لانصراف القطط عن طعامه الشهي الذي اقتطعه من طعامه! فقرر أن يذهب بنفسه إلى القطط ليمسح على رؤوسها كما يمسح على رأس قطته اللعوب لعلها تطمئن إليه وتأتيه واثقة راضية … ولكن باغتته المفاجأة التي لم يتوقعها!

لم يلبث أن اقترب من القطط ليمسح رؤوسها حتى فرت القطط كالحُمُر المستنفرة التي فرت من قسورة! إلا قطة واحدة شجاعة لم تهرب ولم تتركه يمسح رأسها، وإنما أخرجت مخالبها من غمدها وهمَّت بالانقضاض، لولا أن صاحبنا تراجع سريعًا مشدوهًا من مفاجأة ما رأى!

ما هذا يا إلهي؟! إنني لم أر في حياتي هررة بهذا الجُبن، ولكن لماذا الجُبن ولماذا الخوف، وأنا قد وضعتُ لها الطعام علامة على الأمان؟! تراجع الفتى بعيدًا عن مرأى القطط تاركًا الطعام منتظرًا ما سيكون، فإذ بالقطط وقد اطمأنت إلى بُعد ذلك الفتى الشرير عن المكان تنقضّ على الطعام وتنسفه نسفًا!

احتار فتانا الطيب وضرب كفّا بكفّ، انسحب في هدوء وعقله قد امتلأ بعلامات الاستفهام تطنّ في أذنه .. لماذا؟ .. لماذا؟ .. لماذا؟ .. لماذا تتوقع القططة الشر وقد بسطتُ إليها يدي بالخير؟ فكر قليلًا حتى أنارت الإجابة في عقله، ثم أظلمت على قلبه! .. إنهم لا يتوقعون الخير من إنسان؛ لأنهم لم يروا خيرًا قطُّ من إنسان! إن البشر الذين يعيشون في ذاك المكان قد احتنكهم الفقر بين براثنه، ذلك الفقر الذي دكّ ظهورهم وأثقل رؤوسهم، ذلك الحرمان الذي أكسبهم القسوة! نعم .. القسوة، حتى على تلك الحيوانات البريئة التي لم تَرَ من إنسان هنا سوى ركلة بقدم أو قذفة حجارة بيد أو مسبّة بلسان! البشر هنا يرون لون القسوة في كل حياتهم، فقسوا على أبنائهم وجيرانهم وأنفسهم حتى حيواناتهم لم تنج من قسوتهم، ففَتَحَتْ تلك القططة المسكينة عيونها على الدنيا ولم تر مسحة حنان واحدة من بشر، فما المتوقع منها حين أقتربُ منها وأضع لها طعامًا؟! إن توقع سوء النية من البشر لا بد أن يكون السمة الغالبة على تلك الكائنات، وإلا فلن تكون ذكية فطنة، فكمال الفطنة يقتضي ذلك الآن، بل يقتضي الكراهية لبني البشر جميعًا الذين لا يعرفون الرحمة فيما بينهم، فلا يعرفونها مع من سواهم من الكائنات.

أرجعتُ البصر إلى القطط المسكينة، وقد تعلمتُ منها أن القسوة لا تولّد سوى القسوة!