هل يتعارض الدين مع العقل البشري؟ وهل الفلسفة تعارض الشريعة؟ وهل الرسالات السماوية تدحض التفكير وتمنع التفكر؟ وهل إعمال العقل يفضي للإلحاد فعلًا؟ أم يؤكد الصبغة الدينية؟

كل هذه الأسئلة تدور في الأذهان وفي الغالب تفضي لاختلاف الآراء حول الإجابات.

لكن لنعرفَ أكثرَ عنها علينا التجرد من الآراء والأهواء الشخصية لنسافر مع ابن طفيل في قصة حي بن يقظان فيعطينا الإجابة عن هذه التساؤلات.

وهو فتى وُلد على إحدى الجزر بزواج غير شرعي بين أخت الملك وأحد أقربائها يقظان، فلما ولدته خافت من الفضيحة فألقته في اليم حتى ذهب به لجزيرة خاوية غير آهلة بالسكان ليس بها سوى الشجر والحيوانات وتسمى جزيرة الواق واق.

فالتقطته ظبية كانت تبحث عن ولدها التائه، وأرضعته واعتنت به اعتناء الأم حتى كَبر، وتعلم من الحيوانات بالجزيرة وصادقها، وحين ماتت أمه (الظبية) حزن عليها وفكّر كيف يعيد إليها الحياة بمعرفة سبب الموت، فشرّح جثتها وأعضاءها ليصلَ للعلة، حتى تعفنت جثتها فرأى غرابًا يدفن قتيله فصنع كفعله ودفنها، وكان كلما مات حيوانٌ قام بتشريحه، حتى اهتدى أنه إذا توقف البخار الخارج من الأنف (هواء التنفس) فسيموت الحيوان عندما تخرج منه روحه ونفسه.

وكذا بحث في النباتات والجمادات للمقارنة بينها وبين هذه الكائنات، ووجد أن الجمادات ليس لها هذه الروح التي تجعلها حية.

وحين شب وجد نفسه مختلفًا عن أقرانه، فكل منهم لديه سلاحٌ للمواجهة كالقرون وهو ليس لديه سوى يديه، ويغطي جلدهم الريش والشعر وهو عارٍ لا يغطيه شيء، فأعمل عقله لاستخدام يده في صنع ملابسَ تغطيه من أوراق الشجر ليواري سوآته.

ثم بدأ يبحث في الكون ويرى الشمس والقمر والنجوم تتحرك ذهابًا وإيابًا فتتبعها حتى وجد الشمس تطلع من المشرق وتغرب من المغرب، وتتبع مسارات النجوم والشمس ورسم مداراتها، ووصل أن الشمسَ تضيء الأرضَ بنورها وتسبل عليها حراراتها، ثم اكتشف النار وفكّر في استخداماتها دون أن تضرَّه.

وتساءل هل هذا كله وُجِدَ من فراغ؟ وكيف تكوّنَ هذا النظام المحكم، فاهتدى لوجود الخالق الذي صنعه، وبحث عن هذا الخالق في نفسه وفي الكون بالإدراك المباشر دون منهجية الاستقراء والاستدلال أو الأخذ برأي الآخرين وأقوالهم.

وهنا يتبين المنهج الحسي العقلي للاهتداء لله ومعرفته دون أي عواملَ أخرى للبحث عن الأصل الهيولي (وهو جوهر المادة لا صورتها)، وانتهى أن الأرواح الإلهية الربانية لا تخضع للصورة الجسدية الجسمانية فهي بريئة من التقييد، وليست من الأجسام.

هذه القصة تألقت في العصور الوسطى، فحازت لقب أفضل القصص، وكتبها أعلام العصر كابن طفيل والسهروردي وابن سينا وابن النفيس، وذُكرتْ في قصص ألف ليلة وليلة لتعبر عن التكامل بين العقل والنقل والفلسفة والدين والفكر، وإعمال التجربة الذاتية الفطرية للوصول للخالق.

واقتُبِسَت في أفلام الأطفال الكرتونية مثل ماوكلي وطرزان ونشأتهما في الأدغال وسط الحيوانات، وروبنسون كروزو التي اشتقت معناها منها.

نأتي للإجابة على الأسئلة السابقة لندركَ أن التفكير والتدبر في الأمور يجعلنا نهتدي لله الخالق ومعرفة النفس والفناء في حب الله ومكاشفته، وهو أحد قواعد الغنوصية (وهي الخلاص والتحرر من العالم المادي للعالم النوراني الحسي) التي وُجِدَتْ قبل نزول الديانات، ما يجعل الصوفيةَ مذهبًا إنسانيًا قبل أن يكونَ دينيًا بمنهجية البحث عن الله في النفس والكون دون تعارض للغريزة والفطرة السليمة مع العقل والتوفيق بين الظاهر والباطن لمعرفة الله دون أدلة نقلية.

ولأنه لم يتعلم الكلام بلغة ولهجة ثابتة، ما يثبت أن المعنى يأتي متقدمًا على المصطلح وأن المصطلحات ماهي إلا صياغات لقالب المعنى من استنتاجه لا العكس، دون تعقيدات لغوية وتأويلات فلسفية ثقيلة، فقط انطباعات وردود أفعال حسية مباشرة.

من يدَّعِ أن الدين يخالف النزعة العقلية ويهوي به الرأي للإلحاد فقد خالف الفطرة السليمة والبحث العقلاني المعتدل، فكل إنسان ذي فطرة سليمة هو حي بن يقظان، حي لأنه يعيش ويقظان لأنه انتبه للدين والله بالتفكير العقلي والفلسفة الوجودية.

تظل حي بن يقظان خير ذخائر التراث العربي التي تثق في سلامة الفطرة وحرية التفكير والرأي والاعتقاد الفطري وفلسفة الدين، فهل تصرف الحياةُ المادية الحديثة الإنسانَ عن الفطرة السليمة فيصبح تفكيره شاذًا عنها؟