مع أنّ العنوانَ يبدو للوهلةِ الأولى غريبًا لا صلة له بموضوعِ الرواية إلا أننا نتبـيّـن في ثناياها أن البطل «هولدن كولفيد» ابن السبعة عشر ربيعًا الطويل النحيل الهزيل المهزوم في كل عراك لا يريد أن يعمل شيئًا عندما يكبر سوى أن يكون حارسًا فوق هضبة في حقل شوفان مهمل، تكون مهمته الإمساك بالأطفال الراكضين الذين يضلون طريقهم صاعدين للهضبة.
يسرد هولدن بصيغة المتكلم أحداث روايته بادئًا بتلقيه قرار طرده من مدرسة «بنسي» وهي الرابعة التي نقلته أسرته المرموقة الناجحة إليها وذلك بعد أن رسب في أربع مواد من أصل خمس، ليس لأنه ولد غبي بل هو قارئ نهم متّقد البصيرة لكنه فاقد لاهتمامه بالدراسة حين يرى دائمًا حقيقة الزيف والعقد في معظم الأشخاص المحيطين به من مدرسين متصنعين أو شواذ وكذلك من طلاب لا هدف لهم سوى استعراض ملابسهم وأجسادهم وفتياتهم. ثم يخرج قبل موعده من المدرسة ليروي لنا ما جرى معه في الأيام الأربعة التالية وقد هام على وجهه في شوارع وقطارات وفنادق ومسارح ومتاحف وحدائق ومطاعم نيويورك الشعبية وكيف التقى هنالك بشخصيات متعددة منها من يراه لأول مرة ومنها ما كان يعرفه أو تواعد معه.

       يبدو الكاتب هنا شديد الذكاء والواقعية في تصيد التفاصيل وإراءتـِها لنا بعين المراهق في ميعة صباه والمصدوم بوهج الحياة المشعّ عليه للمرة الأولى، ونحسّ طرافةَ ما يُمعن النظرَ فيه وكيف يتلقّى الصبيّ المراهق المشاهد من بشر وأشياء حوله ويسقط عليها دائمًا مشاعره القلقة التي تصطدم دائمًا بوجود فارق يبن داخله الذي يحاول أن يكون حقيقيًا صادقًا حتى في نزواته وأهوائه، وبين جميع البشر الخارجيين البالغين الذين تيبسوا ونسوا أصولهم بعد أن بلغ بهم التشوّه مداه، ويستمر الدوران المضني في كل حدث بين وصف تسجيلي للمشهد الذي يراه وبين سردهِ لعاطفتهِ المضطردة المضطربة أو ذكرياته المتداعية التي تقفز إليه ورغم أنه يحاول بعبثيّة مصطنعةٍ أن يكونَ غيرَ مبالٍ ويمثل دور الصبي الفاشل الجامح الذي لا يلقي بالًا لمستقبلِه لكنَّ العرقَ دائمًا ينزُّ منهُ والدموعُ تنفرُ منْ عينيه حين يصطدم فيها بقسوةٍ مع هذه المفارقة بين روحه وبين ما حوله، لتظهر المفاجأة في آخر صفحتين ونكتشف أنه كان يسرد ما سبق وهو على سرير مشفى نفسي أتى به أهله إليه.

      حين نقرأ الرواية بوصفنا بالغين نحس هذه التفاهات والتفاصيل السخيفة التي يتعلق بها الصبية والأطفال، سواء في الأمور الملموسة كالحقائب والحيوانات والأرصفة والأغاني أو في الأمور غير الملموسة كحب المراهقة أو حتى تلك القرارات المصيرية التي نتخذها في مرحلة ما في ذلك العمر وهي تحكُمُ حياتَنا فيما بعد لكنّنا نراها الآن سخيفة، لا لشيء سوى لأنها أصبحتْ قديمةً عفا عليها الزمن ولا نستطيعُ تغييرَها وقد تأقلمنا مع معاناتنا التي نعانيها يوميًا بسببها ولا نملك شجاعة إعادة الزمن إلى الوراء وتصحيح القرار وإعادة التصالح مع هواياتنا الجميلة لا مهننا التي سنراها بائسة ومع حبيباتنا المفقودة لا زوجاتنا التي سنراهن نكدات بحكم عدم الرضا بالواقع الذي يبدو دائمًا أفقر من أحلامنا وخصوصًا حين تكون نظرتنا دنيوية فقط.

     لكن السؤال يفترسني متحدّيًا لماذا كان هذا الاحتفاءُ المستمرّ إلى الآن بهذه الرواية وهي المكتوبة منذ أكثر من ستين عامًا؟ ولماذا تظل شخصية هذا الصبي كولفيد حاضرة بشكل قوي في الشارع وبين الناس وفي البرامج الحوارية رغم عدم وجود تصاعد درامي لحبكة الأحداث في سرد هذا الصبي؟، هل السبب فقط يكمن في أسلوب صياغة الكاتب المتقن للمشاهد بعيون الصبي وخلجاته أم لفكرة الرواية ومقولتها الأساسية بحد ذاتها، ولماذا لم أتفاعلْ شخصيًا مع سيرة الصبي تلك؟، كان ذلك السؤال نفسه حاضرًا أمامي عندما شاهدت فلم «The Boyhood» «صِبا» وهو بعيد عن أحداث الرواية لكنه يتناول نفس الفكرة وهي سيرة طفل مع أمه المطلقة التي تنتقل معه بين عدة أزواج لها، واستغربت من النجاح الهائل الذي حققه الفلم على المستوى الجماهيري والنقدي.
لكن الصورة تبدو لنا هنا جلية حين نلامس عن قرب هذا المجتمع الغربي الذي دارت فيه أحداث الرواية، ونفهم تأثر البالغين بها وبالفيلم الآخر أيضًا في ظل السؤال الأساسي المفتوح عن حدود الحرية الشخصية للفرد أمام أسرته بشكل خاص ومجتمعه بشكل عام.

ولنفهم بالنتيجة تعاطف أفراد المجتمع الأمريكي الحالي مع هذا الصبي الذي أطلق هذه الأسئلة وخصوصًا أن هذا المجتمع حين يحقق ما في نفس هذا المراهق المتناقض من ثورة عمياء يمعن في تفككه وتمعن الأُسرة فيه في تشرذمها كلما ابتعد الزمن عن تاريخ صدور الرواية بدءًا من الحقبة الثورية الأمريكي في الستينيات حتى الآن، لكن أسئلة الرواية تبقى أكثر حداثة مع استمرار قدمها، وليصبح هذا التعاطف معه تعاطفًا مع أنفسهم وتجربتهم الشخصية حين كانوا أطفالًا محتاجين إلى مهاد مستقر وتواشج بين أفراد أسرة مفككة لا يملك الأهل فيها سلطانًا على أبنائهم بعد سن السادسة عشر، وباسم الحرية الشخصية يصبح كل شخص في هذا المجتمع إلهَ نفسِه وتصبح باسمها الدولة بقوانينها متدخلة في شؤون الأسرة وضامنة لهذا التفكك عبر تشريعاتها المتتالية.

وينعكس ذلك الغضب على الجميع بدءًا من الأسرة حتى المجتمع برمّته وما نراه من افتقاد الأهل العجائز لأبنائهم في خريف عمرهم هو خير دليل على هذا التفكك ونتيجة للاستجابة لما كان يريده هذا المراهق الذي يحتاج ربما لرواية أخرى عنه حين يصبح عجوزًا.

لنرى بالنتيجة من زاويتنا ذلك المجتمع – الذي تكثر فيه الحيوانات الأليفة بالمناسبة – مفتقدًا بمجموعه إلى أمر لا يعرف ما هو وقد يرفض ما يفتقده إذا قدم إليه، وهو القيم التي تطبعه بطابع واحد يمتثل لها الجميع، ولا يعني ذلك إلغاء الفردانية بالضرورة، تلك القيم التي طبعت مجتمعنا – رغم ما به من مشاكل اقتصادية وسياسية – والتي بها تتقدس الأسرة وتتوسع لتشمل أجيالًا متعددة من الأجداد والأقارب، ويصبح في هذه البيئة احترام الكبير وتوقيره معادلًا لحنانه وعطفه على الصغير، وتغدو لدينا الصدمة معاكسة تشعر بها أسر المهاجرين واللاجئين هناك وقد سمعنا الكثير عن قصص الأسر السورية في بلاد اللجوء حين أخذت الدولة أبناء بعض الأسر وبعضها يعيش هناك على أعصابه لا يملك من أمر أبنائه شيئًا.