نشرت صحيفة الوطن الإماراتية مقالا للكاتب «محمد الدعمى» يقول فيه: لا تقاس أهمية أى لغة فى العالم إلا بمعيار شيوعها وأعداد الناطقين بها، زيادة على أهميتها إناء ثقافيا وروحيا يحتوى على كنوزها. وإذا كان هذا هو المعيار العلمى الحق، لماذا، إذا، يستغرب تلاميذى ادعائى بأن العربية كانت فعلا أهم من الإنجليزية والفرنسية فى عصر سابق. هذا، لاريب، هو عصر تفوق الثقافة العربية الإسلامية الذى وصفه الغربيون قبل الشرقيين، عربا ومسلمين، بـ«العصر الذهبى»، إذ غدت اللغة العربية اللغة العالمية الأكثر شيوعًا من الصين حتى الأندلس، محتكرة كنوز الثقافة والمنطق، الطب والفنون، خاصة بعد انتشاء حركة التعريب بفضل «بيت الحكمة» البغدادى، من بين سواها من فروع النشاط الثقافى.

يكمن الخطأ الشائع هنا فى ميل الإنسان إلى التفضيل وإلى اعتماد درجاته: جيد، أفضل، الأفضل، وسيئ، أسوأ، وهكذا. إلا أن هذا الميل لا ينطبق على اللغات من الناحية العلمية، ذلك أنها جميعا بمستوى واحد، ما دامت تؤدى وظيفتها الأساس، أى الاتصال، شفويا أو تحريريا.

لذا، فمن وجهة نظر علم الألسنية (اللغة) لا يمكن تفضيل الفرنسية على لغة لا يتكلمها سوى أعداد ضئيلة من البشر الذين ينتمون إلى قبيلة مجهرية تحيا فى جزيرة تسمانيا جنوب المحيط الهادى: فاللغة لغة، لأن لها نظامها النحوى الخاص وقواعدها زيادة على نظامها الصوتى الخاص بها. وهذا ما يمكن أن يوضح لنا كيف كانت العربية على العصر العباسى، فى أدواره المبكرة خاصة اللغة العالمية الأكثر أهمية، ذلك أن انتشارها وشيوعها جاء مع انتشار الدين الذى خدمت لغة قريش إناء له، وأداة لانتشاره وللتبشير به، ناهيك عن أهميتها بوصفها لغة الطقوس الدينية والعبادات الروحية التى لابد لكل مسلم أن يتشبث بها من أجل الخلاص الروحى. لذا، فعندما نطالب بدعم العربية الفصحى وبحمايتها، فإننا فى عين الوقت، إنما نطالب بالدفاع عن عالميتها وعن عولمة النظام الروحى الذى حملته بشرى لكل البشر، بغض النظر عن تنوع ألسنتهم وألوان بشرتهم وعاداتهم وتقاليدهم.

وللمرء أن يستذكر فى هذا السياق كم تبذل الأمم الأخرى من جهود وأموال فى سبيل نشر لغاتها والدفاع عنها فى كل مكان، إلا أنى أعتقد بأن أهم الأخطار المحدقة بهذه اللغة العظيمة التى حماها القرآن الكريم وكرستها السنة الشريفة إنما هو خطر اندفاع الشبيبة والنشء نحو استعمال اللهجات الدارجة والعامية التى تشكل أهم المخاطر الجادة على العربية.