سؤال الكثير من الأهالي العرب والمسلمين اليوم! فلقد أصبحت معظم بلاد الشرق الأوسط غير مستقرة، وفي أوضاع اقتصادية صعبة، ومعظمها لا يوجد بها نظام تعليمي يهتم بالأطفال، ويدرك أهمية بناء جيل يقود المستقبل فيما بعد. فكل منا أصبح في متاهة لا يعرف أين هو المكان الأفضل لتربية أبنائه.

ومن واقع تجربتي الشخصية، حيث سافرت لعدة دول أكثرها عربية وآخرها في الغرب، ومن واقع دخولي في مجال التربية والتبحر فيه، لقد أدركت حقيقة هامة وهي أنه لا يوجد حقا ما يسمى بالمكان الأمثل للتربية، ولا يستطيع أحد أن يجزم بأن هذا “المكان” هو الأصلح والأحسن للتربية!

(بالتأكيد هذا الكلام لا ينطبق على البلاد التي يوجد بها كوارث حقيقة مثل الحروب أو المجاعات وخلافه).

فالعبرة ليست بالمكان، فلكل مكان تحديات مختلفة يواجهها المربون -بجانب التحديات التربوية اليومية- ومن واجبهم الاجتهاد ومواجهة هذه التحديات لإعداد جيل نافع كما نتمنى جميعا.

وسأعطي بعض الأمثلة من دول مختلفة، فإذا كنت تعيش في دولة عربية غنية، فأحد المشاكل التي تواجهها كمربي هي الرفاهية والإسراف المادي، حيث كل من حولك وحول طفلك يعيشون في رفاهية مادية نوعا ما، وكل ما يشغل البال أين سنذهب للخروج وفي أي مطعم سنأكل!

وأحيانا الذهاب للتسوق من المراكز التجارية تعتبر هي الفسحة الرئيسية، وأحيانا تلاحظ أن أكبر مشكلة يواجهها الطفل هي أنه يريد الحذاء الماركة الفلانية أو يريد الجهاز أو التليفون الأحدث؛ ليواكب ما يشاهده من أصدقائه فتخشى أن يتربى هذا الطفل على الاعتمادية وعدم الإحساس بالمسئولية والرفاهية الشديدة والسطحية، بحيث إنه عندما يواجه أي مشكلة في حياته فيما بعد، ينهار بعدها ويلجأ للأهل أو يصيبه الإحباط سريعا! غير أنك تخشى أن يكون بلا هدف ولا طموح، فكل شيء مجاب وكل ما يريده يجده في الحال.. فما دور الأم والأب عندما يعيش في أي مجتمع تسوده الرفاهية والإسراف نوعا ما؟

فلقد سمعت كثيرا من الأمهات يشتكين من عدم إدراك أطفالهم قيمة ما يملكون وأن طلباتهم لا تنتهي، ويخشى الأهل الرفض حتى لا يشعر الطفل أنه أقل من غيره! فهذا تحدٍ قوي لهم. وهنا يأتي دورهم في تعويد الطفل على تحمل المسئوليات من الصغر، ومن الممكن إشراكه في أنشطة عدة ورياضات ومساعدته لإيجاد هدف في حياته والعمل عليه، وأن يعرَّف أولاده أن كل شيء تحصل عليه جاء بعد مجهود وتعب وعمل، وأن يشركه في كثير من أعمال الخير حتى يدرك معاناة غيره من الناس، وحتى يدرك قيمة ما يملكه وأن يعوّده على التوازن في الحياة.

فكما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه “أو كلما اشتهيت اشتريت”. فإن قيمة الإنسان ليست فيما يملك وإنما فيما يقدمه وينفع به من حوله.

أما إذا كنت تعيش في دولة غربية، والتي تحقق بعض القيم المجتمعية التي نفتقدها في بلادنا مثل الحرية والعدل والمساواة والاهتمام بالطفل وتعليمه، فإنك تجد هناك تحديات مختلفة، فقد تجد اختلافات في الدين واللغة والعادات. فيكون التحدي الأول أن يتأقلم الأهل أنفسهم مع هذا الاختلاف الكبير وتقبل الآخر وقدرته على الانسجام في المجتمع الغربي، وتأتي المخاوف على الأبناء لأنهم أسرع تأقلما من الأهل وأسرع اندماجا؛ فتخاف عليهم من نسيان أصولهم العربية ودينهم ولغتهم، أو تخاف عليهم من الانحرافات وصورها المختلفة من إدمان أو شذوذ وغيره.

فهنا يجتهد المربُّون في إيجاد علاقات اجتماعية بعائلات على نفس دينهم أو لغتهم لتعويض البعد عن الأقارب، ومحاولة دائمة لزرع القيم الدينية والأخلاقية، وتعلم وسائل مختلفة للتواصل مع أبنائهم وبناء علاقة قوية معهم وفهم ما يجري من تغيرات حولهم؛ حتى لا ينصهر الأطفال تماما وسط المجتمع الغربي ويفقدوا هويتهم تماما.

أما اذا كان الطفل يعيش في دولة عربية، ولكنها ضعيفة اقتصاديا، وتعاني من الإهمال وعدم الجودة في كل شيء. فتأتي هنا تحديات ومخاوف أخرى، لأن الأهل يشعرون أن الحل ليس بأيديهم، وأن هناك نظام كامل يحتاج للتغيير. فكل ما حولهم سيئ أو تجاري ولا يوجد رعاية حقيقية للأسرة أو الطفل.

وهنا يجب أن ندرك حقيقة أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها، وأنك ستسعى وتصبر ليجزيك الله على اجتهادك وعملك وتربيتك لأطفالك، فلا تجعل ما حولك يؤثر فيك سلبيا ويقلل من طموحاتك لأطفالك في أن تربيهم تربية صالحة، وتعمل كل ما في وسعك لتغيير الوضع للأحسن في المستقبل. فأطفالنا هم المستقبل سواء شئنا أم أبينا!

وبما أن في مثل هذه البلاد يشعر الأهل بأن كل شيء حولهم سلبي فقط، أحب هنا أن أركز على بعض الإيجابيات التي قد لا يشعرون بها الا إذا جربوا الغربة كغيرهم وذهبوا إلى بلاد أكثر.

أولا: الدفء العائلي ووجود أقارب وأسرة كبيرة، فهذه ميزة ليس من الممكن أن يجدها الكثيرين من العرب المغتربين، ويفتقد فيها الطفل والأهل الشعور بالدفء والأمان، فإن هذا الشعور لا يقدر بثمن.

وقد أثبتت الأبحاث أنه يؤثر في النمو النفسي للطفل؛ حيث يرى ويتأثر بأفراد عائلته وهذا يساعد في النمو الاجتماعي والعاطفي أكثر من غيره في الغربة. حيث يعاني البعض من الجفاء أو العزلة.

ثانيا: وجود بعض التحديات في حياة الطفل تساعده أن يكون أقوى وأن يخلق لنفسه هدفا ويسعى جيدا للحصول عليه. فهو يدرك جيدا قيمة كل شيء حوله وكيف يسعى الوالدان ويجتهدان لتوفير معيشة جيدة.

ثالثا: من الممكن أن يكون الطفل أكثر إبداعا في وجود حلول لكثير من التحديات التي يواجهها، وهنا يأتي دور الأهل في تشجيع الطفل والبحث عن مواهبه والاستثمار فيها. والتخلي عن مفاهيم قديمة مثل توفير المال لشراء شقة لتأمين مستقبل الطفل أو تجهيز البنت.

فالأولى هنا أن نستثمر في عقل الطفل ومواهبه وحثه على العلم، فهذا ما ينقصنا حقا وستأتي بقية الأشياء لاحقا.

وهذا ليس معناه أنني ضد سفر الأهل أو اغترابهم أو محاولة تحسين المعيشة، ولكن لن يقدر الكل على السفر، فإذا كان هذا قدرك ومن الصعب تغييره، فلا تيأس من وجود السلبيات حولك، ولا تيأس كذلك من تربية أطفالك تربية صالحة, ولتعمل ما في وسعك ولا تنشغل في أن تركز على الهدف الحقيقي في بناء جيل قادر على القيادة والتغيير. ولا تهرب من المواجهة وبذل الجهد واستخدام الظروف التي حولك لصالحك وصالح أبنائك.

في النهاية كما قلت في البداية، إنه لا نستطيع أن نقول إن المكان الفلاني هو الأصلح للتربية، فكل ميسر لما خلق له. فاعملوا ما في وسعكم ولا تجعلوا الظروف حجتكم، لأننا جميعا آباء وأمهات محاسبون على مسئولياتنا تجاه أبنائنا، وكما قال الرسول صلى الله عليه وسلم “كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته” لم يذكر حينها الزمان أو المكان فلنخلص النية ونؤدي الأمانة وندعو الله أن يوفقنا في تربية جيل صالح نافع لمجتمعه أينما يكون، فالعبرة ليست بالمكان.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست