تمرّ منطقة غرب آسیا وشمال أفریقیا بظروف حساسة خطیرة. ففي الوقت الذي نری حالة عدم الاستقرار الناتجة عن التدخلات الخارجیة في أفغانستان والعراق ولیبیا مازالت مستمرة من دون أن تجد لها نهایة، یلاحَظ أن الأزمات التي طال أمدها وباتت مزمنة في كل من سوریة والیمن والبحرین تجعل أمام أعین العالم صورة رهیبة من واقع المسلمین المتمثل في معاناة الناس و”هلاك الحرث والنسل”. في مثل هذه الظروف، یأتي خبر وجود عدد من مسؤولي دول المنطقة في المملكة العربیة السعودیة، في أثناء زیارة الرئیس الأميركي لها، أمراً یثیر الانتباه.

لقد عملت بعض الحكومات فی منطقتنا خلال السنوات الأخیرة علی جرّ المنطقة المحیطة بنا إلی حالة عدم الاستقرار، وذلك من خلال تصعید سیاسات وتصرفات تتلخص في نشر ودعم الأفكار المتطرّفة وتقدیم وجه مشوّه عن الإسلام من جهة، وكذلك من خلال التضحیة بمصالح شعوب المنطقة، وذلك عن طریق العمل علی نشر حالة عدم الاستقرار وإراقة الدماء والتقاتل بین الأشقاء. وهذه السیاسات التي تولّد التوتر لن تؤدي، في نهایة المطاف، إلا إلی خدمة ألدّ أعداء الأمة الإسلامیة والعربیة.

أحد وجوه هذه السیاسة، یتمثل في المساهمة في مشروع التخویف من إیران، هذا المشروع الذي أبدعه وروّجه الكیان الصهیوني منذ سنین.  دخلت إیران في المباحثات النوویة الناجحة مع مجموعة 1+5، واثقة من أن مزاعم طلاب الحرب واهیة لا أساس لها، مؤمنة بقدرة الحوار والدبلوماسیة، فأسقطت بنیان الوهم المرعب المسمی “القنبلة النوویة الإیرانیة”. وبذلك حالت إیران دون التّذرع بذلك التهدید المفتعل لفرض حربٍ استنزافیة جدیدة علی المنطقة. إن نجاح هذا المسار، الذي سُجّل الیوم عبر وثیقة قویة دولیة باسم “البرنامج الشامل للعمل المشترك” (المعروف بالاتفاق النووي الإیراني) تحظی بدعم جمیع الأعضاء المسؤولین في المجتمع الدولي، یجعل أمام الجمیع طریقا واضحا وضّاءً لحلحلة سائر مشكلات المنطقة.

“إیران علی استعداد تام للتعاون، سواء مع القوی الإقلیمیة أو مع تلك التي خارج المنطقة بهدف مكافحة الإرهاب والتطرف وإعادة الاستقرار والأمن إلی سوریة”

في مثل هذا الظرف، تأمل إیران من جمیع الدول الملتزمة بالسلام والتعاون الدولي، وكذلك من دول المنطقة والدول المجاورة، أن یقفوا بوجه السیناریوهات الخطرة التي یؤدي نجاحها إلی تعمیق الكوارث الإنسانیة في المنطقة أكثر فأكثر، ویزید من ارتفاع جدار عدم الثقة بین الجیران. إن إیران المتمتعة بالاستقرار ترید الیوم استتباب الاستقرار في كل المنطقة بأسرها. لأنها تعلم أنه لا یمكن أصلا تحقیق الأمن في بیتٍ بثمن غیاب الأمن في بیت الجیران.

إن الجمهوریة الإسلامیة الإیرانیة مستعدة دائما للحوار البناء. وحكومة الرئیس روحاني التي سبق أن طرحت علی الصعید العالمي “عالم خال من العنف” و “مشروع حل الأزمة السوریة المؤلف من 4 مواد”، بالإضافة إلی أفكار مثل “تشكیل ملتقی الحوار الإقلیمي”؛ لاتزال تری نفسها ملتزمةً بمتابعة هذه المشاریع والأفكار، كما أنها اتخذت خطواتٍ عملیة نحو تحقیقها.

لقد شهد المواطنون والحكومات في كل من العراق وأفغانستان نماذج كثیرة من واقع التعاون الإیراني من أجل تحقیق السلام والأمن والمساعدة علی إعادة البناء وتحسین الظروف المعیشیة في كلا البلدین. حتی إن المسؤولین الأميركان الذین یشكلون السبب في مشكلات راهنة كثيرة في هذین البلدین، قد اعترفوا من جانبهم مرارا بدور إیران الإیجابي في مكافحة الإرهاب وإعادة بناء البنی التحتیة، وإیجاد طرق ترانزیت البضائع والمساعدة علی تحقیق التنمیة والتقدم في الدول المجاورة لها.

إیران، كدولة مسؤولة وكقوة ذات تأثیر إقلیمي، لم تقع یوما في شرك طلاب الحرب والمعتدین. فعراق صدام حسین الذي كان مسؤولا عن إزهاق أرواح الآلاف من الإیرانیین نساء ورجالا وأطفالا، عندما غزا دولة الكویت عام 1991، قرّرت إیران غضّ الطرف عما فعلت دول المنطقة الداعمة لصدّام في حربه ضد إیران. وعلی أساس سیاستها المبدئیة، سارعت إلى دعم الكویت في تلك الحرب، لیس هذا فحسب، وإنما ساهمت في عملیة إعادة بناء الكویت بعد انتهاء الحرب، بما فیها العمل علی احتواء وإطفاء لهب الحریق الواسعة النطاق التي كانت قد طالت حقول النفط الكویتیة. ونحن لانزال مصرّین علی التزام سیاساتنا المبدئیة علی الرغم مما يرتكبه بعض دول الجوار من أخطاء. لقد هدّد أحد المسؤولين السعودیین، أخيرا، بأنه “سیجرّ الحرب إلی داخل إیران”. إنني أعلن الیوم رسمیا وباسم الحكومة الإیرانیة بأننا مستعدون لأن نهدي السلام إلی كل المنطقة، وإلی المملكة العربیة السعودیة قبل غیرها.

“إیران، كدولة مسؤولة وكقوة ذات تأثیر إقلیمي، لم تقع یوما في شرك طلاب الحرب والمعتدین”

ولاشك أن تحقّق هذا الأمر منوطٌ بأن توقف الحكومة السعودیة الحرب العبثیة والهجمات المدمرة ضد الشعب الیمني، وتكفّ عن قمع الأغلبیة التي تنشد الدیمقراطیة في الدول المجاورة. فاذا كان الرئیس الأميركی ملتزما بالشعارات التی أطلقها قبل انتخابه، ویعتبر نفسه صدیقا لحكومه الریاض، فعلیه أن یدخل في الحوار معها حول الطرق الكفیلة بمنع الإرهابیین التكفیریین من الاستمرار في تأجیج النار علی مستوی المنطقة وتكرار أمثال حادث “11 سبتمبر” من قبل رعایاها في الدول الغربیة.

إن إیران علی استعداد تام للتعاون، سواء مع القوی الإقلیمیة أو مع تلك التي خارج المنطقة بهدف مكافحة الإرهاب والتطرف وإعادة الاستقرار والأمن إلی سوریة. إن السلوك الإیراني في مثل هذا التعاون سیكون تابعا للمبدأ الدائم الذي تلتزمه إیران في سیاستها الخارجیة، والمتمثل في رفض الهیمنة وعدم الخضوع لها. إننا إذ نحترم سلامة الأراضي والسیادة المستقلة لجمیع دول المنطقة، ونؤكّد علی ضرورة عدم التدخل في الشؤون الداخلیة لبعضنا بعضاً، وضرورة معالجة كل الخلافات عبر الطرق السلمیة، نعتبر أن المصالح طویلة الأمد، سواء لإیران أو لسائر شعوب المنطقة والعالم تتطلب مكافحة ظاهرتي التطرف والإرهاب، خصوصا عندما تأتیان تحت اسم الدین. ونحن لن ندّخر جهدا في هذا المضمار.