أغلب الحقائب الوزارية الأساسية في الحكومة الفرنسية الجديدة (الداخلية، العدل، الاقتصاد، الدفاع، الخارجية) منحت لرجال ينتمون إلى أحزاب سياسية، ما عدا وزارة التربية التي عيّن على رأسها رجل يمثل المجتمع المدني، وليس له انتماءات حزبية سابقة.

أعلن عن التشكيلة الحكومية للرئيس الفرنسي الجديد، إيمانويل ماكرون. وعلى الرغم من الخطاب الإعلامي للفريق الجديد في قصر الإليزيه عن السرية، وعن عزم ماكرون على إحاطة قراراته وتعييناته بالسرية التامة، فإن التشكيلة الحكومية لم تأت بمفاجأة تذكر، فهي ضمت الأسماء التي تداولها الإعلام الفرنسي في الأيام الأخيرة. وهذه التشكيلة وفية لوعود ماكرون الذي بنى حملته الانتخابية على تجاوز التعارض بين اليمين واليسار، محاولاً الجمع بين ما هو أحسن لدى كل طيفٍ، وبناء توجه سياسي جديد، يقوم على الاستلهام، بغض النظر عن الخلفية الأيديولوجية. بمعنى آخر، إنهاء اللعبة السياسية التقليدية القائمة على التعارض الأيديولوجي بين اليمين واليسار، لأنها فرضت على فرنسا ثنائيةً قطبيةً أصبحت بنيوية، وصارت خطراً عليها: فلا اليسار ولا اليمين نجح في إخراج البلاد من أزمتها، على الرغم من تداولهما السلطة عقوداً. وقد لقي هذا التوجه استحساناً لدى قطاعاتٍ عريضة من المجتمع الفرنسي. لذا صوتت لماكرون، وإنْ كانت جملة من الظروف الاستثنائية هي ما سمحت له بالفوز في الرئاسيات. وهو ليس أول من يطرح ضرورة تجاوز التعارض التقليدي بين اليسار واليمين، فهذا التوجه دافع عنه، ومنذ سنين، زعيم حزب الحركة الديمقراطية (وسط يمين)، فرانسوا بايرو. ومن ثم فماكرون نجح فيما فشل فيه بايرو.
إلا أن تجاوز خريطة الأطياف السياسية، وخصوصا خطوطها الأيديولوجية الفاصلة يقتضي
“خيار ماكرون يجمع بين اجتماعية اليسار وليبرالية اليمين، لكن الكفّة تميل لصالح التوجهات اليمينية”

التعامل مع توازنات حكومية قلقة، فالحكومة الجديدة تحاول التوفيق بين اتجاهين، يصعب التركيب بينهما: لا يساري ولا يميني من جهة؛ ويميني ويساري من جهة ثانية. وهي معادلةٌ صعبةٌ، لأن الحكومة فيها من يؤمن بالمقولة الأولى ومن يؤمن بالمقولة الثانية. وإن كان الجميع يتفق على ضرورة العمل معًا بتجاوز الخلفيات الأيديولوجية خدمةً لفرنسا. بالطبع، لا يمكن الحكم على حكومةٍ ولدت التو، وقد لا يزيد عمرها عن أكثر من شهر، فهي تشبه حكومة تصريف الأعمال، على الرغم من أن الرئيس انتخب منذ أيام فقط، لأن نتائج الانتخابات التشريعية (الدور الأول يوم 11 يونيو/ حزيران والثاني يوم 18 يونيو) هي من سيفصل في مصيرها. ففي حال حصول ماكرون على الأغلبية البرلمانية، فسيُبقي عليها أو يعدلها جزئياً فقط. ولكن، في حال فشله وفشل تيار آخر في الحصول على الأغلبية، فإنه سيُجبر على التفاوض لتشكيل ائتلاف حكومي، أما إذا حصل تيارٌ آخر على الأغلبية، فإنه سيُجبر على تعيين حكومةٍ منبثقةٍ عن الأغلبية البرلمانية الجديدة (حكومة تعايش ستكون ثالث حكومة من نوعها في البلاد).
الاحتمالات الثلاثة واردة، وإن كانت استطلاعات الرأي تشير إلى حصول حركة ماكرون على الأغلبية. وقد عمل ماكرون على العمل بهذه التوازنات داخل حكومته، بمكافأة من التحق به باكراً أو متأخراً بعض الشيء ومن دعمه، وكذلك من قبل بيده الممدودة (شخصيات من حزب الجمهوريين). وبالتالي، جاءت حكومته متعدّدة الأقطاب. وهذا ما زاد من حدّة البلبلة والانقسامات داخل الحزبين الكبيرين، الاشتراكي والجمهوري. وإن كان الأخير لا يعرف أزمة أيديولوجية عكس الأول.
يتشكل الطاقم الحكومي الجديد من أربعة أقطاب إن صح التعبير. أولا القطب اليساري الذي يمثله اليساريون الذين التحقوا بماكرون في حملته الانتخابية (جيرالد كولمب الذي عين وزيراً للداخلية، جون-أيف لودريان وزير لأوروبا وللشؤون الخارجية – وهو وزير الدفاع في حكومة هولاند خمس سنوات – …). القطب الثاني تمثله شخصياتٌ معروفة في وسط اليمين (فرانسو بايرو وزير العدل، ماريال دوسارناز وزيرة لدى وزير أوروبا والشؤون الخارجية مكلفة 

“معادلة صعبة وإن كان الجميع يتفق على ضرورة العمل معًا بتجاوز الخلفيات الأيديولوجية خدمةً لفرنسا”

بالشؤون الأوروبية…). القطب الثالث وتمثله شخصياتٌ يمينية من حزب الجمهوريين (إدوار فيليب رئيس الحكومة، برونو لوما وزير الاقتصاد…). أما القطب الرابع فيتكون من ممثلي المجتمع المدني، وفي مقدمتهم “أيقونة” المدافعين عن البيئة في فرنسا نيكولا هيلو (وزير الانتقال البيئي والتضامني)، فضلاً عن فرانسواز نيسان – مديرة دار نشر – (وزيرة الثقافة) ومنير محجوبي (سكرتير دولة مكلف بالقطاع الرقمي) وفريديريك فيدال – رئيسة جامعة – (وزيرة التعليم العالمي). وتضم الحكومة 11 وزيراً من المجتمع المدني من أصل 22 وزيراً. لكن، من حيث الترتيب البروتوكولي ثقلهم ضعيف: وزير واحد فقط (نيكولا هيلو) عين وزير دولة من أصل أربعة وزراء، يتمتعون بهذه الصفة. كما أن احترام مبدأ المناصفة بين الرجال والنساء بقي حسابياً فقط، لأن أغلب الحقائب الوزارية الأساسية (الداخلية، العدل، الاقتصاد، الدفاع، الخارجية) منحت لرجال ينتمون إلى أحزاب سياسية، ما عدا وزارة التربية التي عين على رأسها رجل يمثل المجتمع المدني، وليس له انتماءات حزبية سابقة.
وبشأن التوجهات السياسية لهذه الحكومة، تسمح تشكيلتها بتحديد ثلاثة توجهات أساسية. أولها أنها حكومة ليبرالية، فهي تضم شخصيات ليبرالية، بصرف النظر عن انتماءاتها الحزبية (وطبيعتها) من عدمها. ثانيها أنها حكومة ذات توجه أوروبي، فلوجوهها السياسية المعروفة قناعات أوروبية تقليدية راسخة. ثالثها أن الملف الاقتصادي، وبالتالي السياسة الاقتصادية للحكومة، منح لشخصيات يمينية، وهذا تحصيل حاصل، لأن الحكومة ليبرالية التوجه، وتريد تقديم ضمانات لليمين الفرنسي، تحسباً للانتخابات التشريعية وللشركاء الأوروبيين، خصوصا ألمانيا. وهذا دلالة أيضاً على وجود قناعة سياسية لدى ماكرون. فبخياراته هذه، يقر بأن الطروحات اليمينية (الليبرالية) أحسن في المجال الاقتصادي، لذا منح هذا الملف لشخصيات يمينية، لاسيما برونو لومار (وزير الاقتصاد) وأن الطروحات اليسارية أحسن في مجال البيئة مثلاً، لذا عين ممثل الخضر (في وقت سابق) نيكولا هيلو وزير البيئة. ما يؤكد خيار ماكرون القائم على الجمع بين اجتماعية اليسار وليبرالية اليمين، لكن ما يتضح من التشكيلة الحكومية أن الكفّة تميل لصالح التوجهات اليمينية؛ فالحكومة ليبرالية.