30c4b532-5f94-4171-adc4-bb758eb27bf7.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

رشا عمران

يحتاج الإبداع موهبةً حقيقيةً، ويحتاج إلى تحديث الوعي لرفد الموهبة بما يغذيها. يحتاج أيضا إلى حالةٍ من الاطمئنان الاجتماعي، والأمان النفسي، لكي يكتمل، أما القلق الذي يحكون عنه باعتباره من صفات المبدع فهو قلق الوجود وأسئلته، لا قلق المعيشة اليومية.

ثمّة مقولاتٌ كثيرةٌ تتعلق بالأدب والإبداع أصبحت (كليشيه). وكتب كثيرون من نقاد الأدب والإبداع عنها. من هذه المقولات مثلا أن “الأدب يولد من رحم المعاناة”، وأن “لا إبداع عظيما من دون تعاسة في الحياة”، ودليلهم على ذلك أن مبدعين كثيرين كانت حيواتهم سلسلة من المتاعب التي لا تنتهي، واستطاعوا التعبير عن متاعبهم عبر الإبداع. والحقيقة أن كلاما كهذا يتخذ منهج التعميم كفيلٌ وحده بإسقاط المقولة، فإذا كان ثمّة مبدعون كثيرون عانوا الويلات في حياتهم، فهذا لا يعني أنه لا يوجد مبدعون كانت حياتهم مترفةً وخاليةً من معاناة مضنية، ثم أيضا إن كان المبدعون ذوي الحياة التعيسة قد عبّروا عن حيواتهم بطرق إبداعهم، فلا يعني هذا أن كل ما كتبوه يندرج ضمن ملف (الإبداع)!
مثال على ذلك، كانت محنة الفلسطينيين ذات يوم سيدة المحن، وعانى الفلسطينيون المبدعون ما عانوه جرّاء الاحتلال الإسرائيلي والنزوح والتشرد واللجوء. وظهرت في تلك الفترة أعمال أدبية وفنية فلسطينية وعربية كثيرة، تتحدث عن القضية، وعن انعكاسها على الشخصية الفلسطينية والعربية. أعمال وأسماء كثيرة أصبحت مشهورةً جدا بسبب اتكائها على القضية الفلسطينية. الآن وبعد مضي أكثر من نصف قرن، أين أصبحت هذه الأعمال وهذه الأسماء؟ طواها النسيان، وتم الاحتفاظ بها في الأدراج التي تضم ملفات القضية نفسها. الاسم الذي بقي هو صاحب الموهبة الحقيقية، ووظف القضية لخدمة موهبته، أو وظف موهبته وقضيته لصالح الاثنتين. لا داعي للتذكير بالأسماء، سوف تحضر وحدها إلى ذاكرة المهتم ما أن يسأل نفسه هذا السؤال.
بعد قضية فلسطين، ظهرت أعمال (إبداعية) كثيرة عن المنفى، كان العراقيون روادا فيها، فهم أول من عانى من العرب من فكرة المنفى بمعناه الحقيقي، أيضا من تبقى في الذاكرة الإبداعية الحقيقية في هذا الملف هم القلة القليلة من أصحاب المواهب الفذة والحقيقية. يحدث هذا الآن مع السوريين الذين يعيشون اليوم ما يمكن وصفه كابوساً، على كل المستويات، وإن كان ثمة معاناة حقيقية فهي حياة السوريين اليوم. عشرات الأعمال الإبداعية، في مختلف فنون الإبداع، ظهرت مجسّدة معاناة السوريين ومأساتهم، تم الاحتفاء العالمي بالكثير منها، ونال بعضها الجوائز الدولية، وتم رفع أسماء لم تكن معروفة قبلا، حيث أن أوروبيين يشعرون بعقدة الذنب حيال ما يحدث في سورية. وإحدى الطرق للتخلص من هذه العقدة باتت تتجلى في دعم ورفع أعمال إبداعية عن الوضع السوري داخلا وخارجا. ما الذي سيبقى من هذه الأعمال للمستقبل وللتاريخ؟
أظن أيضا أنه لن تبقى سوى الأعمال التي تقف وراءها موهبة حقيقية، مشغول عليها بصبر ودأب، ومدعمة بوعي معرفي وثقافة عميقة، وبتجربة حياة متفرّدة. هذه بعض الأمثلة عن الإبداع والمعاناة. في الوجه الآخر للموضوع، كتب الروائي الفرنسي، فيكتور هوغو، روايته الشهيرة (البؤساء)، وهو غارق في بحبوحة العيش. كان نيتشه الذي قدّم أهم الأعمال الفلسفية والأدبية، ابن عائلة شبه أرستقراطية، لم تكن لديه هموم حياتية يومية، كان متفرّغا للكتابة والإبداع فقط. كان شكسبير ابن عائلةٍ غنيةٍ، وكتب عن كل ظواهر الحياة. كان عروة بن الورد ابن ملك، واختار هو بنفسه الصعلكة. نزار قباني سليل أسرة بورجوزاية دمشقية، وعاش حياته متنقلا بين عواصم العالم. من المعاصرين العرب، تدحض أسماء كثيرين نظرية تلازم المعاناة والإبداع.
شخصيا، أرى أن ما تنتجه معاناة كالتي يحكون عنها هو إبداعٌ يشبه العلاج النفسي لكاتبه، أي أنه ذاتي إلى حد أنه قد لا يضيف أية قيمةٍ جماليةٍ أو معرفيةٍ للمتلقي. يحتاج الإبداع موهبةً حقيقيةً، ويحتاج إلى تحديث الوعي المعرفي والثقافي لرفد الموهبة بما يغذيها. يحتاج الإبداع أيضا إلى حالةٍ من الاطمئنان الاجتماعي، والأمان النفسي، لكي يكتمل، أما القلق الذي يحكون عنه باعتباره من صفات المبدع فهو قلق الوجود وأسئلته، لا قلق المعيشة اليومية والحياة وشؤونها. هذا كفيل بتدمير أعظم موهبةٍ إذا ما استمر طويلاً.

إعجاب تحميل...