الأندلس بكل عبقها الساحر المحبب إلى النفس، تلك الأرض البعيدة التي فتحها المسلمون واستقروا بها وبنوا فيها حضارة من أفضل حضارات الإنسانية قاطبة وحتى الآن تدهشك المخلفات الحضارية التي تركها المسلمون، ترى قرطبة ومسجدها الجامع، وترى إشبيلية بكل سحرها، وغرناطة التي تجعلك بين سندان الأسى لأنها آخر مراكز المسلمين في الجزيرة الأيبيرية وبين مطرقة الفخر بما خلفه العرب المسلمون من حضارة باقية إلى اليوم.

لم تكن الأندلس فقط حضارة زاهية من الناحية المعمارية أو السياسية أو الاقتصادية، لكن أهمية الأندلس كحضارة عظيمة كانت في علمائها والفكر الاجتماعي والاقتصادى والفقهي المذهبي الذي تركوه، فلو تتبعت عزيزي القارئ كتابًا مثل “تاريخ علماء الأندلس” لمؤلفه “ابن الفرضي” ستجد طبقات كثيرة من العلماء والشعراء والأدباء ممن أثروا الحياة الثقافية في الحضارة الإسلامية.

ابن حزم القرطبي الأندلسي كان أحد هؤلاء العظام الذين رفعوا مكانة الأندلس بين الأمم من الناحية الفكرية بكتاباته الغزيرة والتي وصل منها إلينا كتب في غاية الرصانة العلمية على الأقل في وقت ابن حزم، وكتب أخرى لن تجد في تنوعها المعرفي لكتاب آخرين إلا ابن حزم.

هو أبو محمد على بن حزم القرطبي الظاهري، ولد في مدينة قرطبة عاصمة الدولة الأموية الأندلسية عام 383هـ الموافق 994م، وكان أبو أحمد بن حزم أحد وزراء المنصور بن أبي عامر، وقد تربي ابن حزم في قصر والده المجاور لقصر المنصور، تعلم على يد أهم شيوخ عصره مثل أبو عمر أحمد بن الجسور، و”أبي القاسم بن أبي يزيد الأزدي” الذي تعلم الأدب على يديه، وتعلم المنطق على يد “الكتاني”، وتعلم في مدرسة طبية والتي أسسها “مسلمة المجريطي”، وعلى العموم فقد عاش ابن حزم حياة هانئة رغدة لكنها بعد قليل شهدت تقلبات عظيمة موازية لتقلبات أخرى شهدها وطنه الأندلس وقد شارك ابن حزم الشاب في أحداثها وكان له موقف سياسي دفع ثمنه بعد ذلك.

الأندلس، بناء واحد يتهدم

كانت الأندلس تحت حكم حكومة مركزية واحدة منذ عام 136هـ عندما هرب عبد الرحمن بن معاوية الملقب بالداخل أو صقر قريش من سيوف العباسيين إلى الأندلس وأسس دولة أموية جديدة بدلا من الخلافة التي انهارت بدمشق تحت ضربات العباسيين، ليؤسس ملكًا جديدًا من لاشيء ويتناوب خلفاؤه الحكم في الأندلس وعاصمتهم قرطبة، لتشهد الأندلس عصرها الذهبي في شتى مناحي الحياة، حتى شاخت هذه الدولة كغيرها من الدول في حركة التاريخ الإنساني، وتولى أمرها خلفاء ضعاف وصغار السن مثل آخر خلفاء الدولة هشام المؤيد بن الحكم المستنصر الذى تولى حجابته ووزارته المنصور محمد بن أبي عامر الذي أسس ملكًا لنفسه ورهبة يخشاها الجميع، بل ويتولى ابنه عبد الرحمن الملقب بشنجول الحكم من بعده هذا والخليفة لا حول له ولا طول في هذا الأمر.

في تلك الأثناء كانت الأقاليم الأندلسية يحكمها حكام أقوياء انتهزوا فرصة ضعف الخلافة في قرطبة العاصمة واستقلوا بهذه الأقاليم مثل بنو عباد في إشبيلية، وسابور الفارسي في سرقسطة ومن بعده بنو هود، وأيضًا البربر الذين استقلوا بالجنوب الأندلسي وغرناطة ومالقة وغيرها، والشرق الأندلسي الذي وقع في يد الصقالبة وغيرها من الجهات، حتى قرطبة ذاتها وقعت في أيدي بنو جهور وأسسوا فيها دولة لهم، وانفرط عقد الجزيرة وكانت بداية النهاية للأندلس ككل بعد ذلك.

أما ابن حزم الشاب الذي كان في تلك الأثناء شابًا يافعًا، يتجرع المرارة بسبب أمرين وهما وفاة أبيه، والثاني الذي أثر فيه أيما تأثر وهو حبه لفتاة حبًا شديدًا لكنها لم تلتفت إليه ولم تجاوبه هذا الولع والعشق الشديدين وكان هذا دافعًا لابن حزم لينتج واحدًا من أعظم وأندر الكتب في المكتبة العربية وهو كتاب “طوق الحمامة في الألفة والألاف”.

ابن حزم، الوطني الثوري العاشق

لم يكن ابن حزم بعيدًا عن أحداث الأندلس السياسية، بل شارك فيها بالقول والفعل أيضا، كان ابن حزم كغيره من الكتاب الساخطين على هذه الأوضاع، فمن رحم المحنة تأتي المنحة، نجد إنتاجا أدبيًا رائعًا في تلك الفترة، نجد شخصيات أدبية تدخلت في السياسة الأندلسية وشكلت الوعي الوطني في وقت كان الجنون سيد الموقف، حيث تحولت الأندلس إلى عدة أقاليم تقاتل بعضها البعض، حرب أهلية لا تبقي ولا تذر، فخرج الكتّاب من هذه المحنة ليكتبوا أملًا في المنحة الربانية التي انتظروها لتنقذ الوطن الأندلسي، كان أبو مروان خلف ابن حيان القرطبي المؤرخ المشهور يكتب، وكان الفقهاء أمثال أبي الوليد الباجي يتحركون بين المدن الأندلسية في خطوة للتوحيد، وكان ابن حزم واحدًا من هؤلاء الذين شكلوا الوعي، حيث كتب وسخط على السياسيين بل وتطاول بلسانه عليهم في كتاباته ونجد في كتاباته السياسيه سخرية لاذعة بل تعجب من تلقب أربعة خلفاء لم يفصلهما إلا مسيرة يوم وليلة بين مدن الأندلس كعجيبة من عجائب الزمن آنذاك.

كان ابن حزم من أنصار الدولة الأموية بحكم تكوينه وتربيته ومنصب أبيه السابق، وقد يؤخذ عليه من بعض المؤرخين تعصبه للأمويين، لكنه في كتاباته السياسية نجد ألفاظ “أمير الجماعة”، “الخلافة الواحدة” وغيرها من الألفاظ التي تدل على حبه للوطن ومصلحته العليا التي رآها في خلافة ودولة واحدة بعيدًا عن التمزق الذي شهدته الأندلس، حيث كان مخلصًا لموقفه السياسي، بل تعدت كتاباته إلى الفعل الثوري ذاته، حيث انضم إلى أحد أدعياء الخلافة وكان من البيت الأموي ويدعي المرتضى، وقد تعرض بسبب موقفه إلى نهب قصره، فخرج من مدينته الأثيرة قرطبة إلى مدينة ألمرية في شرق الأندلس وانضم هناك إلى جيوش المرتضى الذي حارب بنو حمود البربر في موقعة “غرناطة” ولكن جيوش المرتضى هُزمت وأُسر ابن حزم في عام 408 هـــ ولكنه أفُرج عنه بعد قليل وتوجه إلى مدينة شاطبة في شرق الأندلس أيضًا وهناك استقر حينًا ليؤلف هناك بعض كتبه التي تعكس ثوريته وعشقه للوطن وللفكر، وتعكس تجاربه الرائعة في الحياة.

في «قرطبة» كان العشق، وفي «شاطبة» كانت الذكريات

وأثمرت هذه الذكريات عن كتاب من أعظم الكتب وهو طوق الحمامة في الألفة والألاف” الذي ألفه ابن حزم تأثرًا بحبه للفتاة القرطبية التي عشقها، بل أنه كان كتابا للتاريخ الاجتماعي للأندلس في القرن الحادي عشر الميلادي على حد قول الكاتب الإسباني “انخل جونثالث بالنثيا” في كتابه تاريخ الفكر الأندلسي، وطوق الحمامة مقسم إلى ثلاثين فصلًا، وأهمها علامات الحب، والكلام عن الهجر والسلو، وحكايات عن العاشقين، بل إنه أفرد قسمًا خاصًّا يتحدث فيه عن أهم البيوت القرطبية وعن بني أمية وحكاياتهم عن الحب، وتخلل الكتاب أبيات من الشعر من تأليفه الخاص.

ونجد في الكتاب عزيزى القارئ متعة لا توصف من ناحية الأسلوب الرشيق والتنوع التشبيهي والقصص الممتعة عن الحب والمحبين، وبالرغم من اتهام بعض الفقهاء المتعصبين للكتاب أنه دعوة للفسق، إلا أننا لا نجد حديثًا لا يليق بالأدب في ثنيات الكتاب ككل كتابات ابن حزم.

وكأن ابن حزم يؤرخ لسيرة الحب من مولده حتى موته في هذا الكتاب.

ابن حزم الشافعي الظاهري، محاربًا من أجل فكرة أحبها

كان ابن حزم فقيها، أحب المذهب الشافعي بالرغم من قلة الشافعية في الأندلس أمام المذهب الرسمي وهو المالكية، لكنه درس المذهب الشافعي واستخلص مذهبًا أسسه في الاندلس وتتلمذ على يديه الكثير وهو المذهب الظاهري الذي يعتمد على ظاهر ولفظ القرآن وبالرغم من محاربة فقهاء المالكية لهذا المذهب لكن كان ابن حزم مدافعًا ومجادلًا شرسًا، ونذكر المجادلة الشهيرة بينه وبين أبي الوليد الباجي في جزيرة ميورقة الأندلسية والتي كان قد وصلها ابن حزم بدعوة من حاكمها ابن رشيق، وطارت أنباء هذه المجادلة في شتى بقاع الأندلس، مما أدى إلى خلاف عميق بين الفقهاء المالكية وبينه أدى هذا الخلاف إلى حرق كتبه والذي تبنى هذا الحرق حاكم إشبيلية المعتضد بن عباد.

صحيح أن المدرسة الظاهرية استمرت بعد وفاة ابن حزم وتتلمذ فيها عدد كبير، إلا أن ابن حزم كان حزينًا بالرغم من عودته إلى قرطبة الأثيرة إلى قلبه، لكنه كان يشعر بالسخط المختلط بالحزن العميق على هذه الحرب الفقهية التي لا طائل منها.

إنها النهاية، الانطواء والحزن مع السخط والغضب

يقول الكاتب الإسباني أسين بلاثيوس: “إن ابن حزم قد عانى من ألوان الظلم ما أنضب سنين الرقة واللين في نفسه، وشاهد من مساءات الفوضى السياسية التي ضربت الأندلس مما أثر في نفسه وأوذي في كرامته بما لقي من الاضطهاد، ورأى الناس أجمعين ينكرون قدره ويتجهمون له ويقاطعون مذهبه الديني ويحرمونه فاستقر رأيه على أن يعتزل الدنيا والناس وينزوي في موطن أسرته في “منت لشم” وهي على مقربة من مدينة “ولبة” وذلك بعد أن صادر المعتمد بن عباد كتبه وأحرقها”.

كل هذا الحزن الدفين في نفس ابن حزم انعكس على ألفاظه الحادة ولسانه الذي كان كالسوط على الظالمين وفي كتاباته السياسية والأدبية تظهر هذه الدلائل، بل نجد أن في أواخر حياته ألف كتاب “الأخلاق والسير في مداوة النفوس” والذي كان يفيض بالتشاؤم من المستقبل للوطن الأندلسي الذي أحبه وعشقه وأخلص له ولهويته.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست