لعلك مررت بصور أطفالٍ تبرز عظامهم عن جلود تكسوها على استحياء. لعلك فوجئت بأوراق الشجر تُطبخ وتُؤكل لأول مرة، أو ربما شاهدت مقطعًا مصورًا لطفلٍ يشكو الجوع أو أم تنادي لحماية أبنائها من البرد. لاشك مر بك الاسم كعنوانٍ لتقريرعابر في موجز الأخبار .. مضايا_تموت_جوعا.

مضايا، قرية سورية تحت حصار جائر منذ سبعة أشهر فرضته مليشيات حزب الله والنظام السوري، بدأ يموت إثره سكانها جوعًا وبردًا تحت مرأى ومسمع العرب والمسلمين. مضايا هي كارثة إنسانية أخرى و مشهد آخر مُهين لكرامتنا كعرب يدير حكامنا ظهورهم له، فقد غضوا الأبصار وصموا الآذان ولُجمت ألسنتهم بلجام معقود.

كمشهد يعيد نفسه من زاوية أخرى أكثر وجعًا وإيلامًا تطفو على السطح معها جميع أوجاعنا كشعوب عربية مقهورة لا تملك من أمرها شيئًا غير الثورة أو الهتاف أو تغيير (صورة الحساب الشخصي) كأضعف الإيمان، نذرف الدمع على حالنا وحال إخواننا. فلم تعد لدينا فلسطين واحدة، أصبح لدينا أكثر من فلسطين يهان فيها العربي بأكثر من طريقة وشكل لا يحتمله بشر ويعافه بعض الناس على حيواناتهم. ولكن يمكنك ببساطة أن تميز وجه الاختلاف الأوحد، فالعدو هنا عربي ومسلم أيضًا. أصبحنا نأكل بعضنا بعضًا، فصارت مضايا إشعارًا آخر يُذكرنا كم هُنا و كيف قُتلت الرحمة في القلوب.

لن أسأل لماذا لم ينتفض حُكام العرب للحال في مضايا وللحيوات التي انتهت من قبل أن تبدأ أصلًا. فانتظروا حتى تكرمت الأمم المتحدة بإغاثة مُسكنة والتي سيتداولون أنباءها لإثبات وتوكيد كم هم رُحماء ورقيقو القلوب. لن أسأل لماذا تجرد العرب من هويتهم كعرب! لماذا فارقتهم النخوة والغيرة والعصبية المحمودة لأبناء عرقهم، ولا لماذا تجرد المسلمون من روح إسلامهم وفارقت أخلاقهم الرحمة والتكافل فنسوا أنهم كالجسد الواحد وتغافلوا حتى ضمرت أعضاء ذلك الجسد وضعفت فأكلها المرض!

بتنا طوائف شتى تقصف وترمي بعضها بالصواريخ وتحاصر أشقاءها حتى الجوع والموت رغم أننا في الأصل أمة واحدة اجتمعت على كلمة التوحيد، نسينا جوهر الكلمة فانهارت الوحدة، باعنا حكامنا لأجل آبار نفط وتحالفات هالكة لحفظ مقاعدهم الوثيرة المثبتة فوق جثث الشعوب. أفلا يعلمون أنها اختلت من تحت أقوى منهم وأكثر جاهًا؟

لم ينتفض منا حاكم واحد ليقول كفى! حتى كفار قريش انتفض منهم من أبوا على أبناء عمومتهم الجوع والعطش رغم ما بينهم من خصومة في الدين. فلماذا نحن غافلون؟ أو متغافلون؟ إن الإجابة هنا واضحة، فالعرب لم يعودوا عربًا والمسلمين قد نسوا جوهر إسلامهم، فأصبحنا عربًا بلا عروبة ومسلمين لا يعرفون شيئا عن الإسلام.

لا يحق لنا بعد اليوم أن نتساءل لماذا حقوق الإنسان لا تعرف الإنسان في شعوبنا؟ أو لماذا لا يسمون التمييز تمييزًا في بلداننا؟ ولا لماذا لا تُضاء الشموع وتُدشن الحملات العالمية بجدية لأجل كارثة إنسانية ما إلا في النصف الآخر من هذا الكوكب. ولماذا لا يكون العيش بكرامة حقا إلا حين توجد المصلحة. حتى السؤال عن ازدواجية المعايير والصمت العالمي المشين بات سؤالا مكررًا بلا معنى فالإجابة عرفناها منذ زمن وحفظناها عن ظهر قلب. وصرخنا كشعوب مرارًا وتكرارًا فقد أعطيناهم حق الاستهانة بنا عندما استهنا بأنفسنا وحقوقنا. لقد سألنا حتى مل السؤال منا فهل من مجيب؟

لن يجيبنا أحد.. فقط دعونا نجمع التبرعات في صمت ونصلي لأجل السلام.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست