سعود السنعوسي الشاب الكويتي الثلاثينيّ نُشرت له أول أعماله الأدبية “سجين المرايا” في عام 2010، والتي امتازت بما امتازت به الرواية الخليجية بالملحمة البكائية على الحبيبة!

وإذا ما قرأت أعماله التالية انتابتك القشعريرة المؤذية من روايته الأولى، التي لا تحمل سوى الجمال اللغوي دون حبكة وسياق ممتع وارتفاعات وانخفضات، فروايته “ساق البامبو” والتي فازت بالجائزة العالمية للبوكر العربية عام 2013 ستجعلك تعتقد أن كاتب الأولى ليس بكاتب الثانية، ففي الأخيرة هنالك إبداع وتطور بليغ في الأسلوب والحبكة وتسلسل الأحداث.

“ساق البامبو” التي تتناول قضية الهوية .. فالبطل هنا ابن لأب كويتي وأم فلبينية كانت تعمل خادمة في منزل الأب الذي ينتمي إلى إحدى العائلات الكويتية العريقة والغنية، يتشتت البطل بين اسمه العربي واسمه الفلبيني، بين الديانة المسيحية والديانة الإسلامية، بين عائلته هنا وعائلته هناك، بين الفقر هنا والغنى هناك، ربما لم يعالج الكاتب مشكلة العنصرية التي يعاني منها المجتمع والنظرة الاستعلائية على كل ما هو غير خليجي، إلا أنه أعطى بصيصًا من التفاؤل والأمل المتمثل في “خولة” أخت البطل من أبيه، فالأجيال الجديدة تملك من القوة والوعي لتغيير الطبيعة الفكرية للأفراد لتؤسس بنيانًا جديدًا للمجتمع.

تنافست “ساق البامبو” مع أكبر وأشهر روائيي العالم العربي، في تلك السنة استبعد روائيون كبار كواسيني الأعرج وبهاء طاهر ويوسف زيدان عن المنافسة، وبالرغم من استئثار “مصر” للجائزة لعامين متتالين وفوز بهاء طاهر في الدورة الأولى عام 2008 عن روايته “واحة الغروب”، وفوز يوسف زيدان عام 2009 عن روايته “عزازيل”، إلا أن الشاب الثلاثيني استطاع أن يتقدم المخضرمين من الروائيين.

تقول الأسطورة أن العمل الذي يفوز بالبوكر لا يستطيع الكاتب أن ينتج عملًا يفوقه إبداعًا بعد ذلك!

فرواية مثل “عزازيل” لم يستطع يوسف زيدان إنتاج عمل أدبي بعدها يضاهيها أو يماثلها روعة وإتقانا، ولم تُحدث أيٌ من أعمال بهاء طاهر تلك الهالة الإبداعية التي أحدثتها “واحة الغروب”.

ولكن الشاب “السنعوسي” كسر تلك الأسطورة وحاربها بكل ما تملكه روح الشباب من إبداع، الشاب الذي تطور من مرحلة أدبية في مستوى “سجين المرايا” إلى عمل في مستوى “ساق البامبو” كان لا بد له أن يبهرنا ويخذل جميع توقعاتنا بعمل كـ “فئران أمي حصّة”.

منذ الانتهاء من قراءة آخر صفحة من “ساق البامبو” وكنا ننتظر بشغف وترقب العمل التالي للسنعوسي، داعين كل ملهمات الأدب ألا تكون في خيبة ومستوى أعمال كـ “النبطي” و”محال” والتي خذلنا فيهما يوسف زيدان من بعد “عزازيل”، وما إن تم الإعلان عن اسم روايته الجديدة حتى ظننا أنها قصة شديدة المحلية، فكلمات مثل “أمي” “حصة”، لم نسمعها أو نتعرض لها سوى في حصص الفصول الدراسية في الدول الخليجية، كان هناك شعور بأنها رواية غريبة عنا.

ولكن الشاب الكويتي المبدع استطاع أن يضعها في قالب يمسنا جميعا كعرب، فلم تعد قضايا كالفتنة الطائفية غريبة عن أي أرض عربية، وإن كانت الكويت تعاني من الفتنة والتناحر بين السنة والشيعة فمصر تعاني من الفتنة بين المسلم والمسيحي، وسوريا تعاني من الفتنة بين العلوي والسني، ولبنان تعاني من الفتنة بين أكثر من طائفة مسلمة ومسيحية، التناحر والمشاعر المشحونة التي صورها الكاتب بين الجيران وتصاعد تلك المشاحنات عندما رغب “فهد” السُنيّ بالزواج من “حوراء” الشيعية .. ليست غريبة عنا، نحن نعيش مثيلاتها يوميا وإن اختلفت المذاهب والمسميات.

ثم يتناول الكاتب تاريخ غزو العراق للكويت، تلك المشاعر والأحداث والظروف التي صورها بدقة متناهية، جاعلا العلاقة بين الكويت والعراق كشعوب أساسًا في حديثه، وكيف تغيرت علاقة الكويتيين بالجاليات العربية المختلفة المقيمة بالكويت، تحولات محورية تحدث عنها الكاتب عاصرناها صغارًا حتى وإن لم نكن مقيمين بالكويت.

تتطور الأحداث خاصة بعد غزو أمريكا للعراق وإعلان البطل وأصدقائه رفضهم لهذا الحدث حتى وإن وافق عليه البعض على استحياء، ضمنيا يعلن الكاتب أن العراق والكويت إخوة مهما حدث، ويزداد الأمر سوءا ليقرروا إنشاء جماعة “أولاد فؤادة” التي تظنها الحكومة جماعة معارضة وتظنها المعارضة أنها جماعة أمنية تبع الدولة، يظنها المتدينون المتطرفون أنهم ملاحدة، ويظنهم الملاحدة بأنهم مسلمون متطرفون، فهم مجموعة من الشباب بهم المسلم السني المتدين بشدة والشيعي المعتدل وبها “فهد” و”صادق” الذي تزوج الأول من أخت الثاني وهما مختلفان في المذهب، وبالرغم من مشاحناتهما التي لا تكف حول صواب وخطأ كلا من مذهبهما إلا أنهما يحاولان إصلاح ما أفسده جيل أبائهما من شحناء وبغضاء.

حقيقة الرواية لا تنتهي نهاية مرضية، بل تنتهي نهاية مرعبة، تجعلك تتساءل عن جدوى الأمل والتفاؤل، وعن نتائج العمل الصالح، فهل يستحق الأمر بأن نحمل الهم فوق أكتافنا؟

تقول “أمي حصة” بأن “سُهيل” وصاحبه دخلت بينهما الفئران، أربع فئران فرّقت بينهما لتحصل على أرضهما التي زرعاها معا، تشاجر “سُهيل” مع صاحبه فهرب الأول وصار نجمًا يضيء السماء، وأفنى الأخير عمره بحثًا عنه، حاول القمر مساعدته فأطلق شهبا تنير له السماء عله يرى أخيه وصديقه.

يظل “سُهيل” وصديقه مشتتان دون أن يلتقيا، ولا زال القمر يضيء السماء باعثا بوادر أمل، لا ندري حقيقة جدواها!

سعود السنعوسي، الشاب الساحر، الذي سحرنا بقلمه، هو الدليل الحي والإثبات القاطع بأن جيل الشباب هو الجيل القائد للغد، هو الذي يستطيع أن يتطور ليصل إلى “فئران أمي حصة” بعد أن بدأ بـ “سجين المرايا”!

هو الشاب الذي كسر أسطورة البوكر، ولا بد له أن يفوز بغيرها، وأظنه سيستمر بهكذا نضوج وتطور كاسرًا كل الأساطير المرافقة للأدب والأدباء، واضعًا منهجًا جديدًا، منهجًا يليق بجيلنا، بـ “أولاد فؤادة” الذين يجاهدون في الإصلاح حتى وإن قاتلتهم رائحة العفن حولهم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست