بالتأكيد صادفت أذنيك حديثا لأحد محاضري التنمية البشرية، عن ملامح الشخصيات، وأنواعها، وكيفية التعامل معها، إليك الشخصية الودودة تتسم بعدد خمس نقاط تكونها، بعد معرفة النوع تبدأ في استلام كتالوج التعامل، هنيئا لك الفوز بالمفتاح، عليك الآن استخدام الكتالوج والالتزام به، إن كنت زوجة فقد فزت بمفتاح النجاح مع زوجك،كما إنها مفاتيح النجاح لك كزوج، كطالب، كموظف،كمدير، أيا كان موقعك، الآن أنت الفائز، طالما حصلت على الكتالوج فهنيئا لك بالنجاح.

إحدى الصديقات تواجهها مشكلة تسرد جانب من تفاصيلها تستشير كل من يتوقع أن يفيدها برأي ليتكون لديها في نهاية الأمر عشر آراء، مرة أخرى تعيد السرد بتفاصيل أكثر، لتختلف العشرة نصائح، في نهاية الأمر تحل المشكلة عن طريق الرأي الواحد والثلاثين، فيما بعد تسرد الحكاية و تزيد التفاصيل لتختلف الآراء الثلاثون، في الغالب من يسرد قصته يكتفي بحكي النصف فقط على أفضل تقدير، ليأتي آخر يسدي نصائحه عن قصة مبتورة الأجزاء لا يعلم عنها سوى القليل ومن خلفية لا تنبع سوى من مزيج تجربته وحده في الحياة.

لتعلم يا عزيزي أننا خلقنا متفردين، لسنا كتالوجات أو قوالب مصنفة، في داخلنا مزيج عجيب من المتناقضات والأفكار والطباع التى قد تتغير مع المواقف والاحتكاك والزمن والتعلم والسفر،كل موقف يضع بصمته، ليخرج في النهاية مزيج عجيب يستحيل معه وضع كتالوج، أعرف أشخاصا شديدي الدقة والنظام الفكري تجدهم أكثر الناس عشوائية من حيث الترتيب المادي كونهم لديهم ترتيب فكري عجيب، ومع ذلك يكرهون ترتيب كل ما هو مبعثر بأيديهم فهم يرتبون أشياءهم من خلال تلك البعثرة، أتذكر إحدى صديقاتي، دوما تعشق التنظيم والترتيب ووضع الجداول الزمنية لإنجاز الأعمال، على النقيض هناك أشخاص عندما يفعلون ذلك يفقدون سلامهم النفسي ومن ثم يتكاسلون عن العمل والإنجاز، حينها يستشعرون بإحساس معه قيود تكبل أرواحهم فلا تقوى على الإبداع.

في إحدى الجلسات قدمت إحداهن  اقتراحا لحل أزمات الأزواج، ملخصه أن ترتدي الزوجة ملابسها وكأنها ذاهبة إلى مقابلة رسمية ، ثم تطرق باب مكتب زوجها أو حجرة المعيشة متقمصة شخصية عميلة أو مريضة، على حسب مجال عمل الزوج، ثم تتحدث إليه كشخص غريب عن رأيه في أمر ما يؤرقها لتبدأ في سرد مشكلتها معه، ليحكم حكما خارجيا، إليك كم من ردود أفعال الجالسات، منهن من تخيلت نفسها في الموقف، لتقول إنه في هذا الموقف بالتأكيد سيظن زوجها أنه قد أصابها الجنون، أو أصابها لبس أو مس ما، منهن من أجزمت أن زوجها سيترك لها المنزل في الحال، ومنهن من أعجبت بالطرح والفكرة.

يحدثنا أحدهم عن التسامح وكيف أنه يستلزم عليك أن تتسامح مع الجميع حفاظا على سلامك النفسي، ومن باب التجربة العملية عليك أن تتخيل من آذوك وأساؤوا إليك في موقف ضعف ثم اسأل نفسك هل ستسامحهم أم لا، ليبادره أحد الجالسين، ماذا لو قام أحدهم بصفعك الآن هل ستسامحه، يسكت المحاضر دقيقة ليجيب بنعم، حقا أعلم أنه صادق في إجابته فدوما ما أشفق على من يتوحدون مع كتالوجات الإنسان النموذجي ظنا منهم أنه يستلزم عليهم أن يكونوا هذا الشخص محلقين بعيدا عن الواقع وعن الطبيعة البشرية، عزيزي فلتنظر حولك ولتتأمل كم الظلم والقهر والبؤس في هذا العالم ثم عد إليّ لنحتسىي كوبين من عصير البطيخ المثلج لتحدثني أكثر عن التسامح المطلق.

في النهاية اعلم أن الله خلقنا متفردين. حصيلة عجيبة من الخبرات والأفكار والأشخاص والألم تساهم جميعها في تصنيع مزيج خارق متفرد ليضع بصمة مختلفة يتكامل العالم بها يستحيل معها وضع كتالوج أو قالب يصلح لخمسة أشخاص مجتمعين .بالتأكيد صادفك أحدهم يحكي عن سبل النجاح وكيف أنه ينبغي عليك أن تحب ما تعمل، بالطبع سوف تبدع، يقولون أنه عليك إن وجدت مديرك سيئا أن تترك عملك وإليك تجربة أحدهم الناجحة الذي غير عمله فأصبح من أكثر المتميزين في مجاله، وإذا  كنت لا تحب عملك فعليك بتركه على الفور والتخلص من كل القيود لتصبح حرا مبدعا في ما تحب .

نعم نظريا هذه النصائح رائعة، دعنا نتفق أن ما يحكى حقيقة، وإحدى سبل النجاح لكن لكل تجربة، هناك عوامل كثيرة وضوابط، لا توجد في الحياة تجارب ناجحة بلا حسابات في المطلق، القاعدة حقا هي الإصرار على النجاح، عندما تقرأ تجربة أحدهم، قد تجد خلاصة التجربة نجاح، لكن ماذا عن الخسائر ماذا عن الطريق نفسه كيف كان؟ كيف كانت العوامل المساعدة؟ كيف وكيف وكيف!! عزيزي لا أروج لك إحباطا أو تحفيزا على الاستمرار في عمل لا تنجح فيه، كل ما أريد قوله أن ترى الطريق جيدا ولتعلم أنه ليس مفروشا بالورود يحتاج منك لإصرار وإدراك وتحمل، ولتكن قراراتك من خلفيتك أنت وليست عن قصص نجاح مبتورة، ولتكتب قصتك أنت وحدك ولا تجعل من نفسك مستنسخا من آخر لديه مقاييسه المختلفة لتعريف السعادة والنجاح.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست