أتذكر جيدًا تلك اللحظة التي رأيت فيها  عنوان درسنا لقد كان «النشيد الوطني». كنت حينها في السنة الثانية من التعليم الابتدائي، وكنت قد جئت متأخرًا ذلك المساء على غير العادة.

دخلت الفصل دون أن تعاقبني المعلمة، فأنا من المدللين الذين لا يتأخرون  إلا بسبب خارج عن الإرادة. بدأت أكتب الدرس؛ العنوان، ثم الأبيات، وبعد ذلك انطلقنا نلحنه خلف المعلمة بيتًا تلو  الآخر، رغم أننا لم نفهم معنى بعض كلماته الصعبة، ولم تحاول هي أن تشرحها لنا. كان واضحًا جدًا أن الكلمات لم تكتب من أجل أن تكون نشيدًا وطنيًّا لدولة، لكننا لم نكن في مستوى يؤهلنا لمعرفة ذلك.

لم يكن في ذلك الزمن – وهو عهد المخلوع معاوية ولد سيد أحمد الطايع- أحد يهتم للنشيد أو الوطن بشكل عام، فكل شخص مشغول بنهب ما يليه من خيرات الوطن.

سنون مرت على ذلك اليوم الذي قرأت فيه النشيد الوطني أول مرة، سنون جعلتني أفكر كثيرًا في كلماته والسياق التاريخي الذي قيل فيه. وبالفعل لقد عرفت أن قائل كلمات النشيد الوطني كتبها قبل تأسيس الدولة الموريتانية، ولم يكن يعتقد أن كلماته ستكون نشيدًا وطنيًّا لأمة، وربما لو عرف ذلك حينها لكان ضمن في أبياته عبارات تمجد الوطن، أو تدعو إلى حبه على الأقل.

غير أن كل ذلك لم يجعلني أفكر في المطالبة بتغييره، أو إضافة أبيات عليه تكون أكثر حماسًا ووطنية وسهولة على لسان الصغار والكبار. بيد أن مشاركتي في أكاديمية بتونس شارك فيها شباب من العالم العربي جعلتني أغير رأيي بخصوص تغيير النشيد الوطني.

على حين غرة بدأ كل مشارك يغني  نشيد دولته، بكل فخر وحيوية. أخذ زملائي التونسيون ينشدون بلحن جميل:

حماة الحمى يا حماة الحمى

هلموا هلموا لمجد الزمــن

لقد صرخت في عروقنا الدما

نموت نموت ويحيا الوطن… إلخ

ثم تبعهم الزملاء من الجزائر:

قـــسما بالنازلات الـماحقات *** والـدماء الـزاكيات الطـــاهرات

والبــنود اللامعات الـخافقات *** في الـجبال الشامخات الشاهقات

نحن ثــرنـا فحــياة أو مـمات *** وعقدنا العزم أن تـحيا الجـزائر

فاشهدوا .. فاشهدوا .. فاشهدوا

لم تكن أناشيد البلدان العربية الأخرى تختلف كثيرًا عن هذه، كلها تمجد الوطن بلغة ثائرة سهلة تدغدغ المشاعر وتشعرك بالانتماء، شعرت بذلك وأنا أستمع إليهم، لكن عندما بدأت أغني نشيدنا الوطني لم أر ذلك في عيونهم، بل رأيتها زائغة تبحث عن معاني الكلمات ومدلولاتها.

كن للإله ناصرا  *** وأنكر المناكرا

وكن مع الحق الذي *** يرضاه  منك دائرا

ولا تعد نافعا *** سواءه أو ضائرا

واسلك  سبيل المصطفى *** ومت عليه سائرا

إلخ

ما كدت انتهي حتى سألني أحد الأصدقاء هل كل ما كنت تنشد عربية؟ سؤال لم أستغربه البتة فقد بدت الحيرة عليهم منذ البداية.

هذه المسائل التي يختص بها نشيدنا الوطني ربما لاحظها  بعض الأشخاص قبلي  بسنين،  وسيلاحظها  البعض الآخر لاحقًا، إلا أن  اقتراح  تعديل النشيد الوطني، الذي اقترحه النظام الحالي، هو اقتراح يجب أن يفكر فيه الجميع، من يتمسكون بالنشيد القديم الحالي، ومن يريدون نشيدًا يجدون فيه ذواتهم ويشعرهم بالوطنية، نشيد يفهمه الصغير  والكبير، وكلماته بسيطة ومفعمة بالوطنية، وتعطيك انطباعًا عند سماعها مفاده هذا النشيد الوطني للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

لكل حقه في التمسك بالمقدسات، لكن أين هي الدولة التي لم يغير نشيدها الوطني؟ أين هي الدولة التي اعتمدت نشيدًا لم يكتب لأجل الوطن؟ من غير المقبول جملةً وتفصيلًا أن تقودنا معارضة نظام بعينه إلى رفض كل خطوة إيجابية للوطن، ارفضوا كل شيء وصوتوا بلا على كل التعديلات، لكن دعونا نعدل نشيدنا الوطني.

قد يقول قائل إن هناك أمورًا كثيرة في البلد بحاجة إلى الإصلاح، وأنا أوافقه تمامًا، لكن الإصلاح إذا نظرنا إليه يبدأ من الجذور، ونحن إذا بنينا جيلًا وطنيًّا لا شك سنستطيع تغيير البلد إلى الأحسن، دعونا نجعل العلم يرفرف في كل مكان، دعونا نغني نشيدًا ينمي الوطنية في الجميع، عندها ستقل المحسوبية والفساد والعنصرية في الأجيال المقبلة، وسترتفع أسهم حب الوطن، والانتماء إليه.