تزدحم الحياة كل يوم وتزدحم، بما تحمله من ثورة معلوماتية وتكنولوجية قد جعلت الفرد يفقد جزءًا من حريته وهو لا يشعر؛ فحُرية تداول المعلومات والأفكار، وما ينتج عنها من ابتكارات وإبداعات تُقَرِب المسافات، ووسائل الاتصال تختزل من حُرية الفرد وفردانيته أكثر مما يتخيل، وجعلت إمكانية إتاحة نفسه للآخرين مفروضة أكثر مما مضى. ومن هُنا تظهر الحاجة أكثر للراحة من صداع وأرق التواصُل الذي أصبح جبرًا – طبقًا لمتطلبات هذا العصر- أكثر من كونه اختياريًّا ومُحددًا.

ومن هُنا يبرز مفهوم «التخفي»، ذلك المفهوم الذي تحدث عنه الأديب الفرنسي أندريه جيد – 1951:1869- في روايته «اللاأخلاقي» والتي حصل بها على جائزة نوبل في الأدب عام 1947، فكان «ميشيل» بطل الرواية والمُمَثل لجيد في هذا العمل يُسَمي حاجة الجسم إلى التفكير بـ «التخفي»، وكانت هذه اللُعبة – حسب تعبير أندريه جيد- تشغله عن الآخرين، حتى عن زوجته مارسيلين، وكان يُحَرِض نفسه على هذا التخفي حتى أن هذه العملية تُزيف العِلاقات في نظر المُتخفي، وتجعل كل آخر زائد على حاجته، وفي نفس الوقت لا ترتكز على أناة كل فرد، لأن استدعاء الـ «أنا» في المقام الأول والأخير هو استدعاءٌ للآخر بطريقة لا شعورية، فكانت النفس وما زالت أداة لمعرفة الآخرين، والآخرون ما هُم إلا المرآة التي تنعكس فيها صُوَرنا وحقائقنا، فالاختفاء أو التخفي هو نوع من التسامي أو التأمل المُتعالي حسب تعبير فيلسوف الهند مهاريش مهات.

وفي مُقدمتها لكتابي الأول والذي سيُنشَر قريبًا تحت اسم «في الفِكر والأدب والمجتمع» كتبت المُفَكِرة والأديبة د. نوال السعداوي تقول: «لا شك أن الإفلات من دوامة الحياة اليومية ومطالبها الملحة، يقتضي شجاعة وقدرة على الاستغناء عن زينات الدنيا والآخرة، والانغماس في التأمل والتفكير، دون حسابات المكسب والخسارة، وهذا ترف ما بعده ترف، في حياتنا الصاخبة القاسية الطاحنة لأجسادنا وعقولنا». وهُنا التخفي الحداثي الذي يتواكب مع المُنجزات الفكرية والعلمية والحضارية التي تشغل حياة الفرد ووقته بحياة الآخرين وعوالمهم، فتبدو الحاجة مُلِحة للانزواء والاختفاء أكثر من الوقت الذي كتب فيه جيد عن مفهومه، ولذا كان التخفي عند نوال السعداوي – الذي عبرت عنه في كثير من مؤلفاتها بل يقفز ليصبح موضوعًا رئيسيًّا في أدبياتها وإنتاجاتها الفكرية- مرتبطًا بالاستغناء، الاستغناء مُؤقتًا عن الحُرية المُقيِدة – للإبداع والإنتاج- إلى الحُرية المُطلَقة اللامتناهية؛ حيث القراءة والكتابة والبحث واستخلاص الأفكار والفلسفات على علاتها لا مُؤَطَرة أو مُتقولِبة؛ فتُصبِح صدى لحياة الآخرين أو ترجمةً لأفكارهم.

التخفي اختفاءٌ للكذب، وقبرٌ للتصنُع والنفاق، وفي حضرته الفساد مهزوم كما أورد ذلك أندريه جيد في رواية «اللاأخلاقي». ولذا نجد ميشيل بطل الرواية يذكر أن الثقافة المتولدة من الحياة تقتل الحياة، تلك الثقافة التي تُرسِخ للازدواجية الأخلاقية، وفساد الذِمم والضمائر، ثقافة قد خُلِقَت لعبادة القوالب والتابوهات، تلك التي تنتصر للعُرف والعادة والنصوص العنصرية الأحادية للأديان أكثر من انتصارها للجماعية الإنسانية وتخطي الواحدية، فيصبح المجتمع انتقائيًّا نمطيًّا متقولبًا لا يعرف حرية الأفكار وتداولها، فيبدأ الإنسان يتخفى يبحث عن الحقائق خارج الثقافة السائدة في عالم يتصف بالفردية والحُرية الحقيقية الواعية المُتأمِلة غير المُتحيزة. ولذا فكان ميشيل في الرواية يذكر أن قوانين الخوف ترتكز من خوف الفرد من أن يبقى وحيدًا؛ فيبدأ في تأمل ذاته والبحث عنه في مرايا الآخرين، وليس من فراغ أن جاء بعض الشباب في أحد الأيام يطلبون من جيد النصيحة، فقال لهم: «ابتعدوا عمن يشبهكم». وبالطبع نصيحة جيد للشباب يرتكز فيها هذا الابتعاد على دعوة الاختفاء والعُزلة داخل الغابات والأرياف والحقول المنعزلة، ويبدو أنه يتفق ودعوات روسو وتالستوي وثورو.

وهذا الترف الذي تحدثت عنه نوال السعداوي في حياة الوِحدة والعُزلة والتفرُغ للعمل الأدبي والفكري هو أم السعادة كما عبرت هي في مواضع عدة، وتتسق دعوتها مع قولة العقاد: «الصومعة قريبة من الروضة الأدبية»، فبالطبع الصومعة –خاصةً في هذه الأيام- أصبحت هي المُنقِذ والخلاص في عالم يحيا الآن غارقًا في الحياة المادية الاستهلاكية، لتتراجع أسواق الورق والكتب والأدب، وتحل محلها الكتب الإلكترونية، والمؤلفات المُبتَذَلة والأكثر مبيعًا، وليتراجع دور المعرفة والمعلومة المُوَثقة نتاج البحث والتأمل لتحُل محلها ثقافة المعلومات الـ Take away.

والتخفي لدى أندريه جيد ونوال السعداوي كما نلحظ هي نشاط اعتياديّ، وحالة طبييعة يجب أن يكون عليها كل إنسان، فالفرد لديهما قد جُبِل على المعيشة وحده، أما ما حوله زائد على حاجاته الذهنية والمعرفية، ولا طريق للسعادة إلا بالاستغناء والاختفاء عن الآخرين، وتجاوز طريق السعادات الدنيوية الوقتية إلى السعادات الدائمة التي تنطوي على ترك حاجات الجسد، وتجاوُز الرغبات المُكبِلة للنفس والتي تُعيقها عن الإبداع والتفكير الحُر. وبالطبع هنا – بعد أن يتجاوز تلذُذ الفرد بإشباع حاجاته الفسيولوجية المُلِحة- يبدأ في التحرُر التدريجي من ربقة العلاقات ليصل إلى مفهوم السعادة التام المتكامل، ويتخلص من التعلُق بالأشياء والناس، وهو حسبما رأى الفنان شارلي شابلن ضربٌ من ضروب العبودية، ولذلك كان جيد يرى أنه لا شيء يحجب السعادة كذكرى السعادة، وكذلك في روايته نرى ميشيل يقول: «لا شيء يحجب السعادة مثل الذكريات السعيدة»، وتلك الذكريات هي نوع آخر من التعلُق، وهي الحبل الأخير الذي يتشدق به المفارقون والمُعذبون بصورِ الهجرِ والترك، فمهما غاب الناس، ومهما تجنوا يبقى منهم الكثير؛ ألم يقل سارتر: «الجحيم هم الآخرون؟!» وتقول نوال السعداوي: «السعادة في الاستغناء»؛ فقد صرحت لي كثيرًا في جلساتِنا أن العلاقات مضيعة للوقت، والعلاقة الكبيرة والأهم والتي تمتلك التأثير الكبير في حياة الفرد هي علقته بمكتبته وبكتبه وبأوراقه وأقلامه ومقالاته، أما ما دون ذلك فهو محض ترف وإشباعٍ لحاجات النفس عن طريق إرادات وحياة الآخرين.