لا شك أن الخطاب الديني في بعض الدول الإسلامية يمر بأزمة، وإلا فما معنى أن يصر بعض الخطباء من شيوخ الأنظمة الحاكمة المأمورين بتغييب عقول أبناء الأمة، وحصر الإسلام العظيم الذي انتشر في بلاد غير المسلمين بالحكمة والموعظة الحسنة في الدعاء على غير المسلمين من اليهود والنصارى، وربما الدعاء على بعض المسلمين من أصحاب المذاهب المخالفة، وأذكر أن أحد الخطباء أثناء صلاة الجمعة في المنطقة الشرقية بالسعودية ختم خطبته بالدعاء على النصارى واليهود والشيعة وغيرهم من المذاهب المخالفة لمذهب أهل السنة والجماعة (وأسماهم الكفار) واستمر في الدعاء أكثر من عشر دقائق، رغم أن الخطيب المفوه العالم الجليل الفقيه العلامة يرتدى عقالًا وشماغًا صناعة سويسرية وجلبابًا صناعة يابانية، بل إن مسبحته وحذاءه صناعة صينية ونظارته الشمسية صناعة أمريكية، أما سيارته الفارهة فهي إما صناعة يابانية أو كورية أو أمريكية،وإذا سمح لنا فضيلته بالانتقال إلى منزله العامر فسنجد أن المواد التي استخدمت في بناء منزله مستوردة إما من آسيا أو أوروبا أو أمريكا، وأجهزة التكييف التي توفر لسماحته الشعور بالهدوء والراحة لكتابة خطبته العصماء ضد كل ما هو غير مسلم أو إسلامي، وحدث ولا حرج عن أجهزة التلفاز والفيديو والدي في دي والكاسيت والثريات وساعات الحائط، والأثاث والثلاجة والديب فريزر والبوتاجاز والمكواة وغسالتي الأطباق والملابس حتى دراجات أبنائه وملابس نسائه كلها صنعتها أياد غير مسلمة، فهل يخبرنا فضيلته ماذا أضاف للبشرية وللإسلام غير السب واللعن في خلق الله المسالمين المبتكرين المخترعين؟
ألم يقرأ فضيلة الشيخ قوله تعالى «وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين»؟ صدق الله العظيم.

ألم يقرأ فضيلة الشيخ تحذير الخطباء ومسؤولي الشؤون الدينية في السعودية من خطورة الدعاء على المسالمين من أهل الكتاب، أو المعاهدين وبخاصة في مناطق جذب الاستثمار الأجنبي في الجبيل وينبع والمدن الاقتصادية الجديدة؟ وإن كنت أعترض على منع الدعاء على غير المسلمين في أماكن معينة والتصريح بها في أماكن أخرى لأغراض اقتصادية كما ورد بتصريح مسؤولي الشؤون الدينية.

كان الأولى بفضيلة الخطيب المفوه أن يتفرغ لتبسيط تفسيرات القرآن الكريم للعامة، والتي تحث المسلمين في مجملها على العمل والعبادة والدعاء على الظالمين المعتدين على ديار المسلمين، كان الأولى بفضيلة الشيخ أن يتعمق في دراسة الأحاديث النبوية الشريفة وأن يوضح للعامة كيف أن بعضها يناقض بعضًا، وكيف أن بعضها يتعارض مع القرآن الكريم، بدلًا من أن يطل علينا قسيس أجرب جاهل بأبسط قواعد اللغة العربية يدعى زكريا بطرس فيتهجم على شخص الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وعلى الأحاديث النبوية، فيتصيد ما يحلو له منها ويفسرها على هواه بما يخدم أغراضه الحبيثة للتشكيك في الإسلام كعقيدة راسخة وديانة سماوية، كان الأولى بالشيخ الجليل أن يطلع على ما جاء في المذاهب الأخرى بالنسبة لنقاط الخلاف -وما أقلها- فلربما تكون مصيبة في بعض المسائل وغير مصيبة في البعض الآخر، وأذكر قول الإمام الشافعى: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، كان الأولى بالشيخ الجليل أن يدين نظام بلاده الذي استدعى القوات الأجنبية من الدول الكافرة (كما يقول) لحرب العراق أثناء غزوها للكويت وأن يحث مليكه على المضي قدما في تصنيع الأسلحة المتقدمة لكي يحمي أرض وسماء بلاده من ظلم الكافرين، كان الأولى بالشيخ الجليل أن يمنع الأجانب من الدول الكافرة من العمل في بلاده وأن يستنهض أبناء جلدته للعمل والابتكار وبناء بلادهم، كان الأولى بالشيخ الجليل أن يمنع أبناء وبنات بلده من تلقي العلم في جامعات الكفار وأن يحث مليكه أن ينشأ الجامعات الحديثة التي تقدم العلم والتكنولوجيا من حيث انتهى الآخرون، فيضيفون ويبتكرون ويخترعون ويصدرون ما ابتكروه لبلاد المسلمين العطشى للعلم والتكنولوجيا.

وأتساءل متى سيتم تجفيف منابع كراهية الآخر المسالم، وحماية منجزات الحوار والدعوة الإسلامية في الداخل والخارج، واجتثاث هذا الفكر الضار المتخلف المريض وتوعية أنصاره ومؤيديه بخطورة توجههم، وفداحة آثاره على الأمة والبلاد؟