المكان: تركيا

المناسبة: استفتاء التعديلات الدستورية

أما قبل:

الانتخابات التي دعا إليها الرئيس طيب رجب أردوغان جرت تحت حكمه وتحت حكم حزبه المسيطر، باعتبارها تغيير ديمقراطي للنظام من برلماني إلى رئاسي تنفيذي دون أي تدخلات خارجية ودون أي تدخل للدبابة العسكرية الداخلية ودون إراقة أي دماء، ثم ماذا؟ 51 بالمائة فقط لصالح أردوغان، فارق بسيط بين الـ«نعم» والـ«لا».

هل تساءلت بينك وبين نفسك: كيف لرئيس دولة حزبه مسيطر ولا يزوّر؟ كيف لرئيس دولة حزبه مسيطر ولا يضخّم النتائج لصالحه؟

أما بعد:

إذا دار هذا السؤال في خلدك أو مرّ على فكرك فأبشِر فأنت مواطن عربي تعيش في بلد عربي تعوّد على الرقم المقدّس 99 بالمائة.

ولو عدنا إلى هذه النتيجة 51 بالمائة والتي تبدو لك ضئيلة لكن هي في حقيقتها نتيجة طبيعية في مجتمعات تمارس حريتها وتعبر عن رأيها وترضى بنتيجة الصندوق الانتخابي، في كل المجتمعات التي رسخت فيها التعددية والممارسة الديمقراطية، لا يحصل الرئيس على أكثر من ذلك، لذلك علينا ألاّ نقيس التجربة الديمقراطية الحقّة بالمسرحيات والمهازل العربية.

كما أنّ الشعب التركي بلغ من الديمقراطية مداها فهو لم يصوت بـ«نعم» لأن الرئيس الخالد المقدس كما عندنا طلب ذلك، وإنما بعد أن قرأ التعديلات وعرف سبب اختياره لـ«نعم» أو «لا» ، كما أنه يميز جدًا بين سبب خروجه للاستفتاء من عدمه.

كل العالم شاهد كيف أن نتائج الفرز عُرضت على المباشر في القنوات الفضائية صوت بصوت، ورقة بورقة لتعبر عن مدى الشفافية التي بلغوها، لم تكن هناك غرف معتمة ومكاتب مغلقة، ربما العرب كانوا الأكثر متابعة وتفاعلًا مع الحدث ساعة بساعة ودقيقة بدقيقة، ليس من قبيل مسايرة موضة التحليلات السياسية وإن لم تخل متابعتهم من بعض ذلك، وإنما هي قلوب أرهقها تزوير المزورين، وأعيتها خيانة الخونة في بلدانها، وأنهكها الاستبداد في أوطانها، فعبّرت عن سعادتها بشفافية الاستفتاء واستقلالية الجهات المنظمة للعملية الانتخابية، عبّرت عن فخرها بوعي الشارع التركي وفخرها بابتعاد المؤسسة العسكرية عن مثل هذا الأمر واكتفائها بحماية الاستحقاق الديموقراطي، فرحوا غبطة وتمنيًا بأن يصير حال بلدانهم كحال الدول الديمقراطية التي تحترم شعوبها وتحترم نفسها قبل ذلك، واستاء بعض المتابعين العرب من نتيجة الاستفتاء ولهم في ذلك أسباب متعددة المجاهيل.

مع ذلك قد نتفهم المستائين والمناوئين لسياسة أردوغان كما نتفهم دفاع المهلّلين لنجاحه ونجاح التجربة الديمقراطية في بلاده، لأنها في الأخير تبقى وجهات نظر مهما اختلفت وتباعدت ولا بد من تفاوت في الآراء حول أحداث ومستجدات العالم من شخص لشخص ومن بلد لآخر.

ما لا نتفهمه هو أن تصير مواقع التواصل الاجتماعي حلبة لصراع الطرفين للتراشق والتلاسن وتبادل الشتائم والتخوين في كلمات كاللكمات من أجل قضية لا تعني الطرفين لا من قريب ولا من بعيد.

ففي الوقت الذي يشق فيه العالم طريقه نحو الرقيّ والازدهار نتقهقر نحن في خلافاتنا التي لا تسمن ولا تغني من جوع ونتبعثر في انتقاداتنا وتحليلاتنا هم يصوتون ونحن نولول، هم يتقدمون ونحن نتراجع، حوّلنا الاستفتاء بجهلنا إلى معركة فاصلة بين الكفر والإيمان، تغنّينا بالديمقراطية ثم عمدنا إلى الاستبداد الفكري والتفرد بالرأي الواحد.

علينا أن نستفيد من التجربة الاقتصادية والسياسية لتركيا وتعلّم أدوات النهضة، يجب أن نعلم أنّنا لن ننهض من كبوتنا حتى نحترم اختلاف وجهات نظر بعضنا البعض، ونعرف معنى الرأي والرأي الآخر ومعنى الحرية والديمقراطية، ففي تركيا انتصرت الديمقراطية، وقبل ذلك انتصر الفرد التركي الواعي، هذا هو الدرس الأول الذي يجب أن نتعلّمه وكفى به درسًا.