كان عام 1867م تاريخًا فارقًا في تاريخ البشرية؛ ففيه كتب (كارل ماركس) كتاب الشيوعية المقدس (رأس المال) بعد أن كتب مِن قَبل هو وصديقه (فريديريك إنجلز) كتاب (المانيفستو الشيوعي) في عام 1848م، بطبع الكتابين تكون تعاليم نبيّ الشيوعية قد اكتملتْ! ولكن النبي المزعوم لم يُكتب له أن يعيش ليرى ثمار تعاليمه فمات في عام 1883م ليصير المؤسس النظري للمذهب الشيوعي، وتنطوي صفحة القرن التاسع عشر دون أن يرى العالَم تجسيدًا عمليًا لهذا المذهب الجديد، ولكن أنصار هذا المذهب الذين انتحلوه عن قناعة وإيمان جارف لن يهدؤوا حتى تبزغ شمس هذا المعتقد على أرض الواقع والوجود.

إيمانًا بمبادئ ماركس اندلعت الثورة البلشفية بعيدًا عن موطنه الأصلي ألمانيا، وإنما في روسيا حيث شهد العالم ثورة دموية قفزت إلى السلطة على جثث القيصر (نيكولا الثاني) وأسرة رومانوف العتيقة في عام 1917م ليعتلي (فلاديمير لينين) رأس السلطة ويبدأ تنفيذ تعاليم كارل ماركس عمليّا بعد أن تخلص من كل أعدائه ليخلو له الجوّ وليتمكن من تحقيق الفردوس الأرضي الذي بشّر به ماركس ووعد به أتباعه!واستكمالا للرسالة المقدسة سوف يُلقي خليفته (جوزيف ستالين) شعبه في جحيم الحرب العالمية الثانية دفاعًا عن الدولة الشيوعية وذودًا عن رسالة ماركس السامية فيُقتل تقريبًا 26 مليون سوفييتي وفاءً لذلك المذهب الفريد وحفاظًا على الفردوس الأرضي المزعوم!

ولكن نهاية الحرب العالمية لم تكن سوى بداية انفجار الشيوعية واجتياحها العالم؛ فأبناء ماركس المخلصون في الصين بقيادة (ماو تسي تونج) سوف يستكملون تمردهم المسلح بعد الحرب، فبعد ملحمة (المسيرة الطويلة) التي قُتل فيها أكثر من 70 ألف شيوعي قبل الحرب يعود (ماو) بعد الحرب يواصل كفاحه ويقفز إلى السلطة ويقوم بدوره في نشر رسالة ماركس الخالدة، وفي يوغوسلافيا بعد مقاومة شرسة للفاشية ينتصر (تيتو) ليقود ثورته الماركسية بطريقته الخاصة، وفداءً للراية الحمراء سوف يُقتل في حرب كوريا قريب من 3 ملايين كوري لتبقى تلك الراية ساطعة متوهجة، وسوف يتحمل الفيتناميون الشيوعيون مع زعيمهم (هو تشي منه) النابالم الحارق فوق رؤوسهم حاملين همّ مبادئ ماركس الخالدة ليوحّدوا بلدهم في النهاية لتصطبغ باللون الأحمر الجذاب، وفي أقصى الغرب سوف يسكن أبناء ماركس الأبرار في الغابات والجبال ويضحّون بأرواحهم في كوبا لتنير الشيوعية تلك الأرض ويقف (فيدل كاسترو) ورفاقه في وجه القوة العظمى الكبرى ليتحملوا مع شعبهم الباسل أطول حصار اقتصادي في القرن غير هيّابين لتنتصر الإرادة الحمراء على الرأسمالية الحقيرة أخيرا!

ولكن مَن كارل ماركس هذا الذي قلبت أفكاره العالم بهذا الشكل الذي لا يتصوره عقل؟ ، تزعّم عباس محمود العقاد الرد على هذا السؤال في كتاب (أفيون الشعوب) فقال:

(كان هذا الزعيم يبني مذهبه على أساس واحد وهو أن من لا يعمل لا يأكل، فإذا رجعنا إلى سيرته في حياته فماذا نرى من دلائل الأمانة في تطبيق هذا المبدأ؟ خلاصة الحقائق المستمدة من حياته أن الناس جميعًا لو جروا على طريقته لماتوا جوعًا، وأنه هو لو عاش بما كسبه من عمله لما عاش أكثر من سنة واحدة على أبعد احتمال!).

لعل هذا الكلام يصدم مشاعر القارئ وخصوصًا المعتنقين لمذهبه، السائرين على دربه، ولكن العقاد لم يدعنا إلا وقد ذكر أدلته وحججه التاريخية والمنطقية لتفسير هذا المنحى الهجومي منه فقال:

(إنه كان لا ينتهي من طلب المال – من أبيه – وإنفاقه في غير جدوى وكان يثقل على أبيه بالطلب مع علمه باتساع أسرته) وهذا ما جعل أباه يقول له: (ماذا تظن؟! كأننا مصنوعون من ذهب!) وقال له في موقف آخر: (لسوء الحظ أراك تؤيد بسلوكك رأيي الذي كونته عنك وهو أنك على ما فيك من خصال حسنة أناني تغلب الأنانية على جميع صفاتك) ولكن أباه الذي كان يعيش من قوته مات وكان يجب عليه أن يخلفه في الإنفاق على البيت ولكن ما حدث أنه مكث إلى الرابعة والعشرين من عمره تنفق عليه أمه حتى كتبت له هي وأخته: (إنه لا ينتظر بالبداهة أن تعيش طفيليًا أبديًا) وأنذرتاه بقطع المعونة عنه إذا لم يبحث عن مورد رزق له.

اضطر للعمل في صحيفة (رينيش جازيت) الاشتراكية ولكنه انتقد الكاتب المسئول عن سياستها الاشتراكية (روتنبرج) انحيازًا منه للحكومة وتولى التحرير في الصحيفة مكانه ليزيح الأفكار الاشتراكية والاشتراكيين منها! ولكن يبدو أن سوء طويته أخذ جزاءه سريعًا حين تم إغلاق الصحيفة، ورجع عاطلا مرة أخرى يعيش على معونة من بعض أصهاره في هولندا فلما انقطعت عاش من خير أصحابه ومريديه.

ويستدرك العقاد قائلًا: (قد يخطر لأحد أن الرجل كان يترك طلب الرزق لأنه كان مشغولا بالدعوة إلى مذهبه، لكن الواقع أنه كان لا يطيق العمل لطلب الرزق ولا لنشر الدعوة) ويسوق لنا العقاد قصة كتاب (رأس المال) الذي سماه (إنجيل الشيوعية) حيث أشفق عليه رفقاؤه فأقنعوه بكتابة كتاب عن الأسس الشيوعية للسياسة والاقتصاد فقبض ماركس ألفا وخمسمائة فرنك ليكتب الكتاب ولكنه مضى 14 سنة كاملة ولم يظهر الكتاب! حتى عندما ضاقت به سبل الحياة واضطر لكتابة مقالات لصحيفة (نيويورك تريبيون) اعتمد على صديقه (إنجلز) ليكتبها باسمه! ويستكمل العقاد صدم مشاعر الشيوعيين بقوله: (كان من المعقول أن يفرغ نبي الشيوعية لإتمام إنجيله الذي تقوم عليه دعوته ولكن النبي لم يقترب من صفحات إنجيله إلا تحت ضغط شديد من الحاجة العاجلة الملحة، حتى طوى النبي كتابه المقدس طي الأبد وتركه ناقصا كما بقي حتى الآن!).

ويعود العقاد يتعجب من أمر ماركس ذلك الرجل الذي استحل لنفسه الأجر بغير عمل أنه خشي من منافسة الزعيم الاشتراكي (باكونين) فبحث عن سبب للتشهير به ليجعل المؤتمر الاشتراكي يفصله، ولكنه هنا رماه بدائه وانسلّ حيث قال: إن باكونين قد دنّس سمعة الاشتراكيين لأنه اتفق مع ناشر في روسيا على ترجمة كتاب ولم ينجز تلك الترجمة!

وبعد كلام طويل من الأدلة التاريخية المشينة يختم العقاد كلامه قائلا: (لا صعوبة علينا في فهم الرجل على حقيقته التي لا تحتمل المغالطة فهو مَثَل في التطفل ومَثَل في طوية الشر والكنود ومن كان كذلك لا يُقتدى به في شريعة العمل).

كانت المقدمة التاريخية التي بدأتُ بها المقال تلخص رؤية أتباع ماركس له ولآرائه وكان ما ذكرته لاحقًا من كلام العقاد هو رؤيته لهذا الرجل العجيب، اصطدمت الآراء وتهيجت المشاعر ويبقى أن ندرك أن حلم الشيوعية قد مات واندثر إلى غير رجعة بعد صراعات مريرة وملايين من الضحايا والأرواح المزهقة وصار الحديث عن الشيوعية شيئًا من التاريخ لا أكثر لنتلوه لأنفسنا وللأجيال القادمة حتى نستفيد من دروس الماضي.