بدأت القراءة بشكل همجي وفوضوي ومميز بعض الشيء، الهمجية في القراءة علمتني أن كل شيء يصلح للقراءة إذا أردتُ أن أقرأ، والفوضى علمتني أنها جميلة متى تحب أن تتذوق أكثر من طعم لا يتوافق مع غيره للوصول لطعم جديد وفريد ولن يتكرر، أما المميز فهو عندما تقرأ في المكتبات العامة – أو نسخ مسروقة إلكترونيًا من إحدى مجموعات الفيسبوك – ستلتقي بشخص يحترم اختيارك – أو يسب اختيارك – ويضيف إليه اختيارًا جديدًا لك لكي تقرأه.

يجب أن نعود لحقبة ما قبل الثورة مثل ما يفعل أعداء الثورة لكي نتذكر بعض الأشياء التي لم تعد موجودة، من سيئات الثورة في نظري هو اختفاء نمطية عالم المثقفين، في الماضي كنا نلتقي في المكتبات لكي نسأل «ما آخر محطة لك في القراءة؟!»، تشاجرنا على من أفضل لكي نشتري كتابًا لموتيس أم كتابًا لماركيز بينما كان الاثنان أصدقاء كنا نحن الأصدقاء نقترب من عداوة قد تصل إلى أن يخطط أحدنا لقتل الآخر.

في مرات عديدة اضطررت لشراء كتب مرشحة لي من كلام الذين رشحوها وفي النهاية أندم على ما أنفقت وما استهلكت من وقتي، ومرات كثيرة أيضًا كنت أطلب من البعض أن يرشح لي عناوين لكي أتعرف عليهم أكثر وأتسلل إلى عقلهم أسرع من الاستماع إليهم، وفي إحدى المرات أهديت لبعض الناس كتبًا كي تخبرهم بالذي لم يستطع البوح به لساني.

باختصار كان المجتمع مغلقًا وسهل الدخول إليه بقراءة كتابين والتعهد بأن تستمر القراءة إلى نهاية العمر، سرعان ما تكتشف أنك تكتب ولديك أفكار، ولديك رغبة في السفر والترحال وتجربة الموسيقى بشتى أنواعها، بعد فترة لم تدركها ستجد أنك تعلم أسماء مخرجين وممثلين من بلدان كثيرة، ولديك خبرة في أسماء العواصم بالإضافة إلى درجات سيئة في مادة الجغرافيا، ولقب مثقف وواعٍ لدى حاجة الإدارة المدرسية إليك، بالإضافة إلى لقب فاشل وصايع لدى المعلمين.

نادرًا ما أجد المثقفين في هذا الوقت متحدين على أي شيء حتى أجدهم قادرين على إهداء العناوين، وفي الحقيقة لا أحسب نفسي مثقفًا بل أنا دخيل على هذا المجتمع، لكن أنا كضيف ثقيل ومشاهد لا يتحرك عن كرسي قاعة السينما التي تعرض فيلمًا مملًا لآلاف الأبطال يسب بعضهم بعضًا، أرى أن من الضروري أن تعود عادة إهداء العناوين، ولم أرَ هذا اليوم فقط بل في أيام الماضي أيضًا.

بدأت في أن أتوقف عن شراء الهدايا الفارغة في نظري حتى وإن كانت ذات قيمة للذي سيأخذ تلك الهدية، سأكون عنيفًا حينما أبتسم في وجهك وأهنئك في أي مناسبة وأضع أمامك كتابًا، بدأت ذلك بثلاثية النظرات في عيد ميلاد أحد أصدقائي وكان يصغرني بعامين تقريبًا، السيء في ذلك أنه بعد ثلاثة أعوام طلب مني أن أرشح أعمالًا مثل أعمال النظرات وأضاف لي «في واحد جابهالي هدية من تلات سنين وأنا كسلت أقراهم».

لحسن الحظ لم أنتظر اتصال صديقي لكي أعلم أن تلك خطة فاشلة، شرعت في الانضمام لمجموعات الكتب التي ازدهرت مع ازدهار الفيسبوك نفسه بعد الثورة، وسرعان ما قمت بالخروج منها والتنازل عن صفة «Admin» لأن الموضوع يثير الضحك والسخرية، رأيت ما يسمى حبًا حلالًا وروايات شرعية وأشياء تجعلني أفكر في الانتحار من مدى البؤس القادرة على حمله بمجرد ذكرها.

الآن رأيت أن الحل الوحيد هو الكتابة عن الكتب، ولكن لماذا الكتابة عن الكتب هي التي قد تبعث بيننا تلك العادة التي نفقت تقريبًا، لعدة أسباب ولعدة حوادث، السبب الأول هو أن القارئ الذي اشتاق لتلك العادة هو قارئ ممتاز يستطيع أن يقرأ سطرًا مكتوبًا بشكل دقيق على تذكرة مترو ويصححها، وجدتُ الناس يقولون إني قارئ جيد ووجدتُني أفعل ذلك الأمر.

السبب الثاني هو أنني بدأت القراءة بشكل جاد على يد أنيس منصور، وقرأت له من فترات بعيدة كتابًا عن الكتب هو كتاب رائع ومليء بالذي أحاول صنعه تقريبًا، والصعب في الموضوع هو أن تفكر بأن أنيس منصور فعل ما تفعله الآن، أكثر من فقرات تم حذفها، تم تأجيل الفكرة عشرات المرات، أنيس منصور كان ليس فقط أديبًا عظيمًا وصحفيًا مبدعًا وقارئًا يتقن كل عيوب القراءة من العزلة والسهر من أجل القراءة والسنوات التي تضيع في البحث عن مواضيع بعيدة عنك وعن حياتك، بل بالإضافة إلى ذلك هو أحد الآباء الروحيين الأوائل لي في القراءة.

السبب الثالث هو أني وجدتُ قيمة الكتب بدأت تضيع دون أن تحترق منها صفحة، في الحوارات التي تدور بيني وبين باعة الكتب بشكل عام بدأت تظهر تلك الحقيقة التي تشيع الرعب في قلبي، هل سيولد ابني في عالم ليس فيه أعمال توفيق الحكيم، كيف سيعلم ابني جمال القافية الإجبارية دون شعر شوقي، أو احترام الزمان دونما أن يتذوق نقيضين شعر البارودي وشعر ابن عروس اللذيْن عاشا في نفس الوقت تقريبًا، على الرغم بعدم إدراك الكثيرين بوقت ميلاد ابن عروس ولكن على الأرجح كانوا في فترة قريبة، باختصار كيف سيكون ابني عربيًا ومصريًا ويدرك ما معنى الكلمتين، وهذا المثال على أبسط الكتب وأوسعها انتشارًا كتب الأدب، وأبسط الأدب وأقربه للناس وأكثره طلبًا الشعر.

أما الحادثة الرئيسية التي جعلتني أقدم على الكتابة عن الكتب فهي موت علاء الديب، أنا ولدتُ تقريبًا أثناء ما كان يعد لنا العصير وقال لنا «اقرؤوا»، الآن لم أجد في داخلي الشهوة السابقة في قراءة الجرائد لأن علاء الديب لم يعد يكتب فيها، وأثناء ما أذهب إلى مكتبة الشروق أنظر بأسى شديد تجاه الكتب التي كتبها وأقول في نفسي «لن يكون هناك آخر لكي تشتريه»، عصير الكتب الذي طال ما كان يكتب لنا وصفًا لكل كنز في عالم القراءة بعد أن رحل صاحبه والأمل في وجوده بيننا شعرت بأن هناك ضرورة لإحياء هذه العادة ولكن لم أفكر في أن أحييها بنفسي.

أما الحادثة الأخيرة التي دفعتني للقراءة، فهي أنني لم أعد أزور سور الأزبكية إلا قليلًا، لم يعد هناك كتب ذات قيمة لأن القراءة المقيمة للكتب لم تعد موجودة، رأيت أدبًا يتحدث عن شقق مسكونة في الهرم، وأدبًا يتحدث عن الحب الحقيقي الإلكتروني والحب الحقيقي غير الإلكتروني والحب الزائف من كلا النوعين، شعرتُ بأن الكاتب في داخلي يقول إنه لا عيب على الكاتب في شيء تقريبًا إن قدم أعماله لدور النشر ورأت أنها مشروع تجاري ضخم، بل العيب على المستهلك الذي يضع المعايير.

وعندما ذهبت إلى أهل المعايير أي القراء، وجدتُ افتقادهم إلى خبرة البحث عن الكتب والمصادر العلمية ولذلك قلت لنفسي قدم شيئًا أو افعل أي شيء إن كان صحيحًا أو خاطئًا، إن قدمت الكُتب بشكل صحيح فسيقرؤها أحد ويقدمها لآخر وننقذ ما يمكن إنقاذه في هذا العالم، أما إذا أخطأت فسأجبر القادر على تقديم الكتب بأن يقدم نفسه أولًا، سأتعلم منه أو أساعده في إنقاذ المكتبة العربية من حريق الجزء العظيم فيها.

سأكتب في هذا الموضوع بشكل دوري وأسبوعي في يوم الجمعة من كل أسبوع، سأعرض الكتب في هيئة أغراض وسيكون الغرض الأول «من المكتبة العربية – من تحدث عن الكتب»، وهي محاولة لتقديم كتب لا لنقدها أو غير ذلك، أعتقد الآن أنني قدمت دفاعًا مفصلًا عن الجنون الذي أقدم على فعله عما قريب، وأعتقد أيضًا أنني قدمت نداءً لكل مثقف ود أن تعود لنا الكتب العظيمة والقارئ الواعي بأن يتقدم مثلي ويحاول. لن نطفئ الحريق بدموعنا.

– يُستكمل.