مهما كانت طبيعة التكتيك الذي سوف تعتمده موسكو من الآن فصاعداً، من أجل إبقاء ورقة الأسد عالية الثمن، فإنها لم تعد قادرةً على المناورة، كما كان عليه الأمر قبل الضربة الأميركية التي وضعت قواعد جديدة للوضع السوري.

مداولات مجلس الأمن الدولي في أعقاب الضربة الأميركية على قاعدة الشعيرات، وزيارة وزير الخارجية الأميركية، ريكس تيلرسون، إلى موسكو الأسبوع الماضي، تظهر أن عناصر الحل السوري بالنسبة لموسكو لم تصبح مكتملة بعد، على الرغم من الاستنزاف الكبير على المستوى الاقتصادي، حيث تقدّر المصروفات الروسية في سورية بحوالى مليار ونصف المليار دولار شهرياً، وتزيد هذه الكلفة في حال حصول خسائر في طرف النظام، تجد روسيا نفسها مضطرةً لتعويضها، مثل الطائرات التي تم تدميرها أخيراً في مطار الشعيرات.
روسيا التي تعيش أوضاعاً اقتصادية صعبة، بسبب تراجع أسعار النفط والغاز، وتواجه عقوبات اقتصادية غربية، تتكلف على المستوى الاقتصادي في سورية أكثر من إيران، والمبالغ التي تصرفها على إدامة نظام بشار الأسد ليست في وارد التعويض قريباً، فكل ما يجري الحديث عنه، كمكاسب اقتصادية ولوجستية، سوف تجنيها من وراء تدخلها العسكري بسورية، محض حسابات بعيدة عن الواقع، فسورية دولة منهارة اقتصادياً، ونفطها وغازها لا يكفيان في الظروف العادية للاستهلاك المحلي، أما مسألة بناء قاعدة روسية في طرطوس فأشبه بنكتة، إذا عرفنا حجم القوة العسكرية الروسية، ووضعها على المستوى التقني، وقدرتها على منافسة نظيرتها الأميركية التي تنتشر في قواعد على امتداد الكرة الأرضية.
كان الروس يودون لو أن تيلرسون وصل إليهم قبل حصول الضربة، التي غيرت جدول الأعمال بالنسبة لموسكو، فالعاصمة الروسية كانت تطمح إلى ابتزاز واشنطن، وعقد صفقةٍ معها تتعلق بالحل في سورية، يقوم على شروطها التي كانت تريد فرضها على الإدارة الأميركية السابقة، وعلى رأسها الاحتفاظ ببشار الأسد، ولكن الوزير الأميركي ذهب ببرنامج عمل مختلف، وروحية غير التي كان يتحلى بها سلفه جون كيري في زياراته موسكو. ومن دون شك، بات موقف روسيا بعد الضربة أضعف منه عما قبلها، لأن الوزير الأميركي أعلن، من موسكو وبعد اجتماعين طويلين مع الرئيس فلاديمير بوتين والوزير سيرغي لافروف، أن حقبة آل الأسد في سورية شارفت على الانتهاء، وهذا ليس رأي الولايات المتحدة وحدها، بل تقف معها أوروبا والدول العربية المؤثرة وتركيا واليابان.
لم يكن من المنتظر أن توافق موسكو على عرض المقايضة الذي حمله الوزير الأميركي بهذه السرعة، وكان متوقعاً أن يتسم ردها وردود أفعالها بنوعٍ من المكابرة، كي لا تقلل من التسعيرة التي كانت تنتظرها من واشنطن، من أجل تسهيل سير قطار الحل التي تعمل أن تكون حصتها فيه كبيرة.
ومهما كانت طبيعة التكتيك الذي سوف تعتمده موسكو من الآن فصاعداً، من أجل إبقاء ورقة الأسد عالية الثمن، فإنها لم تعد قادرةً على المناورة، كما كان عليه الأمر قبل الضربة الأميركية التي وضعت قواعد جديدة للوضع السوري، وما يفسر ضعف روسيا هو تصعيدها العسكري ضد المدنيين، واستخدامها أسلحة فوسفورية عدة أيام متوالية، وذلك من أجل استدراج تنازلات من الإدارة الأميركية التي حدّدت خطوطها الحمر بالسلاح الكيميائي. ولكن، ليس في وسع روسيا أن تستمر في القتل إلى ما لا نهاية، وإذا لم تكن قادرةً على التوصل إلى أجندة للحل، سواء السياسي أو العسكري، فماذا ستفعل، هل سوف تستمر بالخسارة من دون أي أفق؟
روسيا في معضلة، وهي تعرف طريق الخروج منها، وصار واضحاً أنه ليس في وسعها تغطية الأسد إلى ما لا نهاية، وربما تدخل المسألة السورية في مرحلةٍ جديدةٍ من التصعيد، وتسجيل النقاط. ولكن، سوف ترضخ روسيا لمنطق الحل الذي يشكل ثمن رأس الأسد العقدة الرئيسية فيه.
لم تتمكّن روسيا من تحقيق أي إنجاز عسكري أو سياسي في سورية، بعد انخراطها المباشر منذ أكثر من عام ونصف عام، وليس في وسعها الاستمرار في هذا الطريق من دون أفق.