اليوم، ونحن نعيش تجربة إضراب جوع الأسرى الفلسطينيين في سجون دولة الاحتلال الإسرائيلية، ننظر إلى التجربة الأيرلندية، علّنا نتعلم بضعة دروسٍ تفيدنا في إنجاح الحملة الفلسطينية، ليس لأننا قاصرون، بل لأن تجارب الشعوب متشابهة، وتربطها علاقات جدلية.

سافرت، في عام 1981، إلى بلفاست، وسط الاضطرابات التي عمّت عموم مناطق أيرلندا الشمالية، مع بدايات إضراب الجوع الذي قام به السجناء الجمهوريون الأيرلنديون في السجون البريطانية هناك. بدأ الإضراب، في الأول من مارس/ آذار، القائد في الجيش الجمهوري الأيرلندي، بوبي ساندز، الذي انتخب عضواً في البرلمان البريطاني في بداية إضرابه. وقد توفي في الخامس من مايو/ أيار، أي بعد 66 يوماً من الإضراب، وقامت له جنازة شارك فيها أكثر من مائة ألف مشارك.
وصلت إلى بلفاست في منتصف مايو/ أيار بعد وفاة السجين الأيرلندي الثاني، فرانسيس هيوز، وبقيت هناك خمسة عشر يوماً، مات فيها السجينان الثالث والرابع ريموند ماكريش وباتسي أوهارا، وشاركت في جنازتيهما. كتبت في صحيفة لبنانية عن المسألة الأيرلندية وقضية الإضراب عن الطعام الذي كان أكبر وأهم تأثيراً من بين الإضرابات عن الطعام، التي قام بها السجناء الأيرلنديون الجمهوريون في السجون البريطانية منذ 1917.
كان مطلب السجناء الأيرلنديين المضربين الاعتراف بهم سجناء سياسيين، وليس مجرمين كما كانت تصر رئيسة الوزراء البريطانية آنذاك، مارغريت تاتشر، للتقليل من شأن الوطنية الأيرلندية.
من الأول من مارس/ آذار إلى العشرين من أغسطس/ آب، مات في إضراب الجوع عشرة سجناء. سبعة من الجيش الجمهوري الأيرلندي، وثلاثة من جيش التحرير الوطني الأيرلندي، وهو منظمة صغيرة أقرب إلى الفكر اليساري من الجيش الجمهوري، الذراع العسكرية لحركة شين فين السياسية الأكبر والأكثر تأثيراً في الحياة السياسية الأيرلندية، والتي يتزعمها اليوم السياسي المعروف، جيري آدامز.
لم تكن هذه الحملة الكبيرة التي، وإن انتهت من غير انتزاع مطلبها الرئيسي من الحكومة البريطانية، لتنجح في تسليط الضوء على القضية الأيرلندية، وحق الشعب الأيرلندي في تقرير مصيره، والاعتراف بالحركة الجمهورية ممثلاً لطموحات الأيرلنديين في التخلص من الوجود العسكري في أيرلندا الشمالية، طموحاً إلى تحقيق الوحدة مع جمهورية أيرلندا، التي فصلتها بريطانيا عن الجسد الأيرلندي عام 1919. ولم تكن حملة إضراب الجوع حتى الموت لتنجح لو لم تتوفر حملة تضامن واسعة ومنظمة في أيرلندا وبريطانيا والعالم، وتحديداً في الولايات المتحدة الأميركية، حيث يوجد أكثر من 12 مليون أميركي من أصل أيرلندي، جمعوا ملايين الدولارات لدعم الحركة الجمهورية، وجعلوا من القضية الأيرلندية في مقدمة أولويات السياسيين الأميركيين في تلك الحقبة.
اليوم، ونحن نعيش تجربة إضراب جوع الأسرى الفلسطينيين في سجون دولة الاحتلال الإسرائيلية، ننظر إلى التجربة الأيرلندية، علّنا نتعلم بضعة دروسٍ تفيدنا في إنجاح الحملة الفلسطينية، ليس لأننا قاصرون، بل لأن تجارب الشعوب متشابهة، وتربطها علاقات جدلية، فالسجون هي نفسها، والاحتلال يمتلك الصفات نفسها في التعامل مع الشعوب المحتلة.
سنرمي جانباً الهذر الإسرائيلي حول الصراعات الداخلية في حركة فتح وطموحات مروان البرغوثي الشخصية، لننتبه إلى التنظيم خارج إرادة الأسرى، وأقصد التنظيم من السلطة والحركات السياسية والمنظمات الشعبية، وتحشيد الأطر الشعبية في فلسطين والشتات، والقوى العربية المتضامنة، ومحاولة تحشيد هيئات إسرائيلية من المؤيدين للحق الفلسطيني، إن كانت منظمات حقوق إنسان أو شخصيات ثقافية وصحافية وأكاديمية إسرائيلية، أو منظمات يهودية تناهض الممارسات العنصرية لدولة الاحتلال، في إطار الحملة الداعمة للإضراب. ولنترك جانباً هراء شعرائنا حول البطولة الخارقة لدى الأسرى الفلسطينيين، فالشعوب في العالم قدمت نماذج بطولية لنيل حقوقها، ولنفكر بتنظيم حملة داعمة رصينة ومتماسكة ومثابرة على المستويات كافة. جاء الإضراب اليوم، والفلسطينيون في أسوأ مرحلةٍ في تاريخهم من انقسامات وتهتك وضعف وهشاشة، وتجاهل العالم مأساتهم لكثرة المآسي المنتشرة. وإذا كان للإضراب أن يمثل انعطافة تاريخية إيجابية، فلا بد من حشد كل العقول لتفعيله، والاستفادة من دروس الإضرابات الفاشلة سابقاً.