يعمل العسكر على نزع أي ممكنات لحياة سياسية، السياسة غطاء في عرفهم في المعنى المراوغ، السياسة على أيديهم قتلت واغتصبت، عملية انتقال قسرية من المعسكر للسياسة، وانتقال عكسي من السياسة إلى المعسكر، حالة من عسكرة السياسة وفرض أساليب العسكر المنمّطة.

حينما تأتي سيرة العسكر والمدح الكبير الذي يُكال لهم، فإن ذلك يُستخدم كخميرة استبداد، يتحول الحديث عن العسكر إلى استدعاء لمعاني الوطنية والفداء والتضحية وتمكين النصر، يظل هذا كله خميرة دائمة لتوليد الاستبداد وتغذيته، وهو ما يعني إنتاج صيغة للوطنية الزائفة. يذكّرني ذلك بكلمةٍ ذهبيةٍ كنت لا أعرف كيف أصرفها في منظومة (وشبكية) الاستبداد التي تحدّث عنها عبد الرحمن الكواكبي في كتابه “طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد”، تلك الفئة التي ركّز عليها في صناعة الاستبداد والمستبد، وقد سماهم “المتمجدون”، وحالة التمجّد تلك إنما يحاولون مصادرة المجد، حتى لو كان في الماضي لأنفسهم يحتكرونه، ويعتبرونه جزءاً من مبرّرات استبدادهم. وصار هؤلاء يتحدثون عن أنفسهم ضمن منظومةٍ تحاول جعل الجيش في أرقى درجات مكانته، مثل أصبح لنا درع وسيف، وأمن من بعد خوف. ويكمل ذلك حينما يقتنص من الذاكرة أي أمر يحقق المقصود من المتمجدين لصناعة المجد الزائف، مثل مقولة “خير أجناد الأرض”.
فإذا انتقد أحد في مصر الجيش أو القوات المسلحة في فعلها أو في سياساتها، استُبعد من شرف المجد، لأنه يعتدي على جيش مصر، على الرغم من ظهور الوجه القبيح للعسكر وجنرالاته الجدد فيما بعد “كامب ديفيد”، استبداد العسكر ورعاته وخدمه وسدنته والدولتية الذين يؤمنون بدولة الأمر الواقع، وليس الإيمان بوجود الدولة القوية. وهنا خرج خدم الاستبداد والتدثّر بالدولة واستخدام الماضي وتوظيفه واستغلاله في غاية التشويه، وكانت الأذرع الإعلامية وتخير بعض هؤلاء أذرعهم الإعلامية لنمطين؛ بعض الرياضيين الذين انتموا إلى القوات المسلحة في فترة، والذين تحولوا إلى إعلاميين في حالة تماهٍ بين صناعة الإعلام وصورة العسكر. أما الذراع الآخر فتمثل في مجموعة من العسكريين السابقين من لواءات وعمداء، تسموا خبراء استراتيجيين، وصاروا يفتون في كل مجال. وللأسف الشديد، تحدّث بعضهم حديثا أهوج، لا يمت للمعقولية أو المقبولية بصلة.
لكل سرديةٍ زائفةٍ بلاغةٌ زائفة، إنه خطاب خير أجناد الأرض. متى تكون الخيرية حالة
“العسكر لا تعنيهم مقولات السياسة في التوازن والتعدّد، ولا تداول السلطة”

مشروطة ومتى تعبّر عن حالة مقدسة معصومة، هل من حق أجناد الأرض أن يقتلوا شعب الأرض؟ هل من حقهم التنازل عن الأرض؟ هل من حقهم أي فعل استبدادي، يتعلق بمطاردة الناس من أرض الوطن، ليذهبوا في حالة شتات في أرض الله الواسعة؟ قام هؤلاء بممارستهم القبيحة بدور كبير في نزع القداسة وكشف الأوهام، كما تصوّرها بعضهم اختزالا أو تزييفاً. لم يعد يصلح أن يكون مسكوتاً عنه أو لا مفكر فيه (جيش كامب ديفيد)، (جيش البزنس)، جيش لم يعد مطروحاً عليه أن يحارب العدو.. جيش الشعب وخير أجناد الأرض مقولات تحتمل التفكيك والكشف عن غطائها لانفكاك فكرة القداسة من جرّاء أفعالٍ شائنة، عاينها القاصي والداني.
خطاب العسكر، بتشكيلاته تلك، إنما يحاول صناعة خطابٍ منمط يقوم بعملية سجن الجميع في دائرته، بما يمكن تسميته حصار الخطاب، وتبدو الأمور في شعور مضمر بالاستحقاق من دون الآخرين، وهم البطولة (لا تتكلم عن أسيادك بهذا الحديث)، حميناك يوما هو فعل يتعلق بتغول الاستحقاق، ونسيان أي سردية أخرى، يمكن أن تنتقص منه ذلك، ترسيخ قيادات العسكر وتكريسها، استدعاء العسكر إلى الحياة المدنية، سيطرة العسكر على مفاصل حياة الناس، عسكرة المجتمع، ماهية المكون العسكري، مراكز القوى التي تمارس دوراً سياسياً، المصلحة الفئوية داخل الجيش نفسه تتحول إلى مصلحة قومية، استغلال قواعد الضغط والربط والطاعة في استخدام هؤلاء أدوات النتيجة تغول على الدولة، دولة في الدولة، دولة فوق الدولة، إعادة الإنتاج الطفيلي لهذا الخطاب في إطار التحالفات “الولاء في مقابل التنفع”، الخطاب الذي يتعلق بأصحاب المقام الرفيع، خطاب واع خطاب غائي، تحركه ميكانيزمات خطاب الإرشاد القومي الذي يهدف إلى وظيفة تعبوية.
وتبدو بعد ذلك لغة العسكرة، وربما يستند هذا الخطاب المعسكر إلى حالةٍ من الإذعان والتوسع، وهو خطابٌ في طبيعته خداعي، يتسم بالتعمية والتغييم والتغمية وخطاب تهديدي (يا نحكمكم أو نموتكم). يصدر ذلك الخطاب من أطرافٍ عدة، ليس المهم فيه الرتبة، ولكن المهم فيه الفحوى، خطاب تحت ظلال السلاح، قعقعة السلاح والتلويح به لغة العسكر حينما يصلون إلى السلطة بالانقلاب. دواعي الاستبداد في تنميط إعلام الصوت الواحد في ذهنية العسكر. الصوت الواحد حتى في الشكل والطابور والملبس والهتاف الواحد والفعل الواحد المتفق عليه مسبقاً، الكلام بالأمر والصمت بالأمر والفعل بالأمر، الترشيد العسكري مسكون بحالة تنميط رهيبة، تشكل أهم القابليات لتمكين الاستبداد.
في الطرف المقابل، يأتي خطاب العسكر في إطار تحويل المجال العام للمعسكر، دخول العسكر إلى المجال العام وعمل الإعلام وفكرة الأذرع الإعلامية (رجالتنا يجب تتكلم من شتمنا

“خطاب العسكر، بتشكيلاته تلك، إنما يحاول صناعة خطابٍ منمط يقوم بعملية سجن الجميع في دائرته”

نشتمه). يتراوح الأمر بين أمور ثلاثة؛ فعل المصادرة وفعل الرقابة وفعل العسكرة للمجال العام والحياة المدنية، تحويل المجال العام إلى المعسكر وطريقته، في أنماط سلسلة الأوامر والقيادة العسكرية (نظام المعسكر في الإذعان والطاعة)، الانتقال من حالة الميدان إلى حالة المعسكر، نقل ثقافة المعسكر وتشويه الميدان، محاصرة الميدان بالعسكر، الميادين مناطق محظورة، الأحكام العرفية وأحكام المعسكر، تحويل المنشآت المدنية إلى ثكنات عسكرية، العسكري المهدي المنتظر والمنقذ والمخلص، فشل المدنيين والمطالبة بوجود وحضور العسكر،… كل هذه الأمور تعبر عن محاولة نزع أي ممكنات لحياة سياسية، السياسة غطاء في عرفهم في المعنى المراوغ، السياسة على أيديهم قتلت واغتصبت، عملية انتقال قسرية من المعسكر للسياسة، وانتقال عكسي من السياسة إلى المعسكر، حالة من عسكرة السياسة وفرض أساليب العسكر المنمّطة.
ذهنية العسكر (قفوا طابور، طابور الخدمة)، كان ذلك كله تعبيراً من لا وعي المؤسسة العسكرية والمسكوت عنه فيها، احتقار المدنيين الأحزاب، “بيتخنأوا، مش حنقبل الرأي والرأي الآخر”، “نحن جميعاً جيش”، “نحن في حالة حرب”، “في حالة دفاع عن الوجود”. خطاب تعبوي هادف إلى عسكرة الحياة، ربما يقود إلى ظواهر العسكرة الفاشية. “كلنا جنود” خيال الفاشية (خطاب تعبوي)، الخطاب التعبوي يتحول إلى الفعل والحركة، العسكري حالة مفضلة من البشر، العسكري حالة عنصرية. الجيش عنوان الجدية، الجيش يمكن أن يقوم بكل السلطات أو يحرّكها، إدماج الحكومة بالجيش، توهم الصلاحية بكل شيء، جيش الشعب تحول إلى شعب الجيش، حالة تأليه العسكر والجيش والإسناد الديني خطر كبير في صناعة الصورة وتسويقها، خيال المعسكر وخطاب المعسكر كعملية مركبة لعسكرة السياسة، وليس تسييس العسكر، سيطرة العسكر وموت السياسة، مصادرة المجال العام (تنميط الصوت) توحيد الفعل في مجالات السياسة، المدني والخدمة العسكرية واختبارات حسب مقتضيات العسكر والمعسكر.
العسكر فوق السياسة، لا تعنيهم مقولات السياسة في التوازن والتعدّد، ولا انتشار السلطة ولا تداولها. العسكر يملكون عداء للتصور الديمقراطي، خيال المعسكر وظله في التحول الديمقراطي، ومن ثم فإنه رهن لفعل الإبادة والقتل في المعسكر، لا قضاء فيها في وقت الحرب. المعسكر في حالة الحرب الدائمة أو التجهز والإعداد لها، ذهنية الحرب الدائمة وذهنية الاستبداد، ذهنية وطريقة تفكير تشير إلى عقل عام، إنها صناعة العسكر الفاشية، صناعة الاستبداد والتمجد.