استمتع المتفرّج، في ستّ حلقات في تلفزيون العربي، بمتابعة حضور تعبيري مكثف للمفكّر عزمي بشارة، بعمق التحليل ووضوح العبارة، محدّثا عن الأنا والاجتماع العربي. وما قدّمه من شهادات يعدّ مكوّنا مهمّا من مكوّنات التأريخ الشفوي لسيرته الذاتية وللسيرة الجمعيّة العربية.

بينما انصرف بعضهم إلى الخوض في سيرة عزمي بشارة من غير علم، وانخرط آخرون في تمجيده أو التحامل عليه أو التفكير في منجزه المعرفي على كيفٍ ما، أطلّ الرجل على مشاهديه في تلفزيون العربي، من خلال برنامج “وفي رواية أخرى”، ليتحدّث عن جانب من سيرته الذاتية، وليُخبر بتصوّره للدور الذي يُفترض أن يضطلع به المثقف العربي المعاصر، مبرزا موقفه من ثورات العرب ومن القضيّة الفلسطينية. وكان لافتاً في سيرة بشارة أنّه تعلّق باللغة العربية وتمرّس بها مذ كان صغيرا، وقرأ القرآن والتوراة والإنجيل بلغة الضاد، وحفظ أشعار العرب وتشرّب كُتب أعلامهم مذ كان فتى يافعا، وتعلّق بالسياسة مذ كان طالبا، وذلك في أسرة فلسطينية أصيلة، منفتحة، شغوفة بالقراءة، ومسكونة بالشأن الفلسطيني وقضايا الاجتماع العربي.
كشف عزمي بشارة، في الحوار التلفزي، أمورا كثيرةً كانت ملتبسة في أذهان المشاهدين، فأخبر أنّ خوضه غمار تجربة برلمانية في الكنيست الإسرائيلي، وتلويحه بالترشح لرئاسة الحكومة، لم يكن عملا عفويّا ـ اعتباطيّا، بل كان فعلا سياسيّا دالاّ، تقصّد به الدفاع عن حقوق عرب الداخل، وإيصال صوتهم إلى العالم، وهو ما تحقّق بالفعل. وكان تأسيس بشارة، ومجموعة من رفاقه، حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، تجربة سياسية مهمّة، أسهمت في حماية الوجود الفلسطيني وترسيخ انتمائه القومي العربي، وتأمين استمراره في مواجهة موجات الاستيطان والأسرلة. وفي جلّ محطّات سيرته السياسية، ظلّ صاحب كتاب “المجتمع المدني” منهمّا بالقضيّة الفلسطينية والمسائل العربية على السواء، وأخبر بأنّ لقاءه بأكثر من زعيم عربي كان مندرجا في سياق دعم المقاومة في فلسطين وخارجها، وحثّ العرب على التمسّك بحق الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم وضيعاتهم وأراضيهم، وضرورة إسنادهم في مواجهة سياسات الفصل العنصري الإسرائيلي، ودعم حقّهم في الانتماء إلى “دولة مواطنية” لا إلى دولة دينية.
ولم تكن تجربة المنفى حائلا دون استمرار بشارة في مزاولة دوره الطليعي في الاشتغال بأسئلة التحرير والتنوير والتحديث، والتمدين والدمقرطة في سياق عربي، فانصرف إلى تأسيس 
“لم تكن تجربة المنفى حائلاً دون استمرار بشارة في مزاولة دوره الطليعي”

مشاريع أكاديمية وبحثية وإعلامية رائدة، مثلت إضافةً نوعيةً للمشهد الإبيستيمي العربي المعاصر. وفسّر بشارة ذلك الدمج في سيرته بين الثقافي والسياسي بأنّه ليس من أنصار “المثقف الذي يعتزل الناس، وينكفئ على نفسه في برجه العاجي”. فالمثقف، في رأيه، يجب أن يكون “عموميّا”، فاعلا في الناس، متفاعلا مع همومهم وأحلامهم. وفي هذا السياق، انحاز صاحب “الثورة التونسية المجيدة” إلى الحراك الاحتجاجي العربي على الدولة الشمولية، وصرّح بأنّه “من التافه اعتبار الثورات مؤامرة… بل هي احتجاجات اجتماعية لإصلاح الاقتصاد، تحولت لثورة سياسية للمطالبة بإسقاط النظام، ولنقض التحالف الثلاثي بين رجال الأعمال والطبقة الأمنية والأسرة الحاكمة القائم على الفساد” .
وذهب بشارة، في مستوى تقويمه سيرورة الثورات العربية ومآلاتها، إلى أنّ نجاح الثورة التونسية في التحوّل إلى تجربة ديمقراطية رائدة راجع إلى احتكام النخب السياسية إلى التحاور والتوافق، فقد “أثبتت التيارات الرئيسية في تونس أنها قادرةٌ على التعايش، وأن هناك إمكانية للتوافق ونزع فتيل الأزمات في مراحل الاحتقان الخطيرة، وهي إمكاناتٌ لا غنى عنها لتمر المرحلة الانتقالية بسلام”. كما أرجع نجاح التجربة التونسية إلى لزوم الجيش الحياد إزاء العمليّة السياسية، وعدم احتكار الإسلاميين السلطة وانخراطهم في دورة الدمقرطة. وعنده أنّ الأمر خلاف ذلك في الحالة المصرية، أين تنازع الفاعلون السياسيون، وتفرّقوا بعد الثورة، ووقعوا في شرك الإقصاء والإقصاء المضادّ، ولم يتمكّن الإسلاميون من إدارة تجربة الحكم بطريقةٍ توافقية، تشاركية، فاغتنم الجيش ذلك الوضع المأزوم ليستولي على السلطة، ويصادر الثورة بقوّة السلاح.
وفي خصوص الحالة السورية، ذهب بشارة إلى أنّ تراخي النظام في التعجيل بالإصلاح،

“ما قدّمه من شهادات وتصوّرات يعدّ مكوّنا مهمّا من مكوّنات التأريخ الشفوي لسيرته الذاتية خصوصا، وللسيرة الجمعيّة العربية عموما”

ودخوله في مواجهة عسكرية مع الشعب، وتخييره الاستقواء بالأجنبي على البحث عن حلول توافقية داخل الاجتماع السوري أدّى إلى ارتهان البلاد إلى الخارج، ووقوع الجميع في أتون حربٍ أهليةٍ مدمّرة. مؤكّدا أن “النظام السوري لم يتحمل أي نقاش أو حياد بداخله، ولم يتحمل إقامة مؤتمر وطني لمناقشة الإصلاحات، وكان يتعامل بمنطق إما معي أو ضدي، وهذا النوع من التفكير يرى في البلد مزرعةً يملكها حكام المزرعة، حيث لا يوجد فكر دولة، ولا وطن، ولا مواطنة، إلى درجة تفضيل الحاكم مليشيات أجنبية على التجاوب مع مطالب شعبه”.
وفنّد عزمي بشارة، في سياق تحليله صيرورة الحراك الاحتجاجي العربي، زعم بعض المستشرقين وعتاة المستبدين، أنّ “الشعوب العربية غير جاهزة للديمقراطية”، قائلا إنّ “كل الشعوب هي غير جاهزة للديمقراطية، حتى تخوض غمار التجربة التي تتعلم من خلالها ثقافة المواطنة والتعايش المشترك، والوعي بالحقوق والواجبات والالتزامات المتبادلة في إطار النظام الديمقراطي”، داعيا إلى عدم تيئيس النّاس من الثورة والحرّية، بحجّة ما آل إليه الوضع في سورية واليمن وليبيا، مشيرا إلى أهمّية الالتفات إلى النجاح التدريجي المشهود في تونس على درب التمدين والدمقرطة.
استمتع المتفرّج، على امتداد ستّ حلقات، بمتابعة حضور تعبيري مكثف للمفكّر العربي عزمي بشارة، راوح فيه الرجل بين عمق التحليل ووضوح العبارة، محدّثا عن الأنا وعن الاجتماع العربي. والواقع أنّ ما قدّمه من شهادات وتصوّرات يعدّ مكوّنا مهمّا من مكوّنات التأريخ الشفوي لسيرته الذاتية خصوصا، وللسيرة الجمعيّة العربية عموما.