وصل الانقسام الفلسطيني، في الأيام القليلة الماضية، إلى حالة غير مسبوقة، ربما منذ تكريسه في عام 2007 بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة. وعلى الرغم من كل ما قيل، خلال الأشهر القليلة الماضية، عن مساع تبذل من هذا الطرف أو ذاك لإعادة اللحمة بين طرفي الوطن الفلسطيني، إلا أن هذه المساعي كانت غالباً ما تصطدم بالمعوقات التي تعيد الأمور إلى المربع الأول، غير أن مستوى الخطاب، في الأيام الماضية، تجاوز المربع الأول إلى ما يسبقه، وبدا وكأن الطرفين، وتحديداً حركة حماس، تتحفز للانقضاض مجدداً على “فتح” عسكرياً، وهو أمر كان يمكن أن يحدث بالفعل لو أن لـ”فتح” أو للسلطة الفلسطينية وجوداً حقيقياً في قطاع غزة. 
السجال الأخير، والمستمر بين الطرفين، يؤشر مجدّداً إلى أن بوادر استعادة الوحدة الفلسطينية لا تزال بعيدة جداً، خصوصاً وأن الإجراءات المتخذة أخيراً، سواء من حركة حماس أو من السلطة الفلسطينية، تعيد حال الانقسام الجغرافي والإداري الكلي إلى الواجهة، ما يحتّم العودة بالتفاوض على المصالحة إلى النقطة صفر. فبعدما تم تشكيل حكومة الوفاق، برئاسة رامي الحمد الله، كان من المفترض أن تتولى زمام الأمور في قطاع غزة، إلا أن معوقات عدة من الطرفين حالت دون ذلك، ولا سيما مع سعي السلطة إلى عدم الاعتراف بالموظفين الذين عينتهم الحركة الإسلامية، لتسيير شؤون القطاع بعد اعتكاف موظفي “فتح”، ما أبقى غزة منفصلة إدارياً عن الحكومة الفلسطينية. ووصل الانفصال الإداري إلى أوجه في الأسبوع الماضي بعد تشكيل “حماس” لجنة لإدارة غزة، وهو ما ردّ عليه الرئيس محمود عباس بحسم من الرواتب التي تدفع للموظفين في القطاع، إضافة إلى الضغط عبر وقف تزويد غزة بالكهرباء، بحجة انتهاء المنحة القطرية.
كل ما سبق مهّد لعودة التشنج في العلاقة، والذي جاءت ذروته مع تصريحات القياديين في “حماس”، صلاح البردويل وخليل الحية، والتي حملت تهجماً قاسياً على عباس، وصل إلى حد التهديد، وهو ما دفع “حماس” إلى الطلب من قياديين فيها الاعتذار من الرئيس الفلسطيني، ربما بعد ضغوط خارجية، لكن من دون أن تصدر بياناً تنأى بنفسها عن الكلام الذي جاء على لسان القياديين، ربما بانتظار وفد “فتح” وما قد يحمله من مطالب، أو شروط، إلى غزة، والتي قد تؤدي إلى تصعيد السجال، أو تهدئته مؤقتاً، بحقن دعم اقتصادي، سواء في ما يخص الرواتب أو الكهرباء. لكن المفارقة هنا أنه حتى الوفد المنتظر هو محل سجال، مع تبادل اتهامات بين الطرفين حول عدم تحديد موعد للزيارة أو المماطلة في قبولها.
الأنكى أن حالة الانقسام وصلت إلى الحركة الأسيرة في السجون الإسرائيلية، والتي كانت في ما سبق مؤسسةً لمحاولات جمع الشمل عبر “وثيقة الأسرى” التي حاولت تدارك الخلاف الفلسطيني، والذي رأت أنه سيوصل إلى الحال القائم اليوم، غير أنها هي نفسها اليوم لم تسلم من التجاذبات والخلافات، والتي دفعت كثيراً من الأطراف الفصائلية في الأسر إلى عدم المشاركة في الإضراب عن الطعام الذي دعا إليه القيادي مروان البرغوثي، ولتتمدد الحالة العامة الفلسطينية، سواء بخلافات “فتح” و”حماس” أو بخلافات “فتح” مع نفسها، على الأسرى.
بات واضحاً أن حالة الانقسام الفلسطيني عصيةٌ على كل محاولات الحل. وهي ربما في طريقها إلى مزيدٍ من التجذر في حال إجراء الانتخابات البلدية في الضفة الغربية الشهر المقبل، واستثناء قطاع غزة منها، كما هو ظاهر حتى الآن. وهي الانتخابات التي تتزامن مع ذكرى النكبة، لتكون نتائجها نكبة إضافية للفلسطينيين، تضاف إلى كل ما مروا به خلال السنوات الماضية.