ما أن انتهى الاستفتاء التركي بأيام معدودة .. حتى وجد الإعلام الغربي ضالته بقوله: إن الاستفتاء مرَّ في أجواء غاب عنها الشفافية والمصداقية  .. وبدأ يطعن في نتائجه .. دون الاستناد على دليل .. بل حتى قال قائلهم: إن النتيجة لا تعكس طموحات الرئيس أردوغان الذي توقع حوالي 65 في المائة من أصوات نعم.

          ونسي أغلب هؤلاء المُغَرِضين أن نتيجة استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي آلَت بنفس النتيجة. بدون أن يطعن أحد في نتيجتها أو في مصداقية صناديقها أو أن يفكر حتى بأن النتيجة هزيلة لكي تسمح بالخروج من الاتحاد، لكن حينما تكون الأمور تتعلق بدولة إسلامية أو غالبية سكانها مسلمون، تبدأ الانتقادات الجارحة والكلام النابي بدون دليل ولا برهان دامغ.

فالأتراك الذين أفصحوا عن ذكاء رهيب منقطع النظير مقارنة بنظرائهم في المنطقة .. وعن ديمقراطية هزَّت دولًا أوروبية لم ينحنوا للمناورات الأوروبية .. ولا لمؤامراتهم، فأوروبا – التي تندد بنتيجة الاستفتاء – تدعي أنها ستفعل المستحيل للحفاظ على علمانية الأتراك، ليس محبة فيهم، ولا لسواد أعينهم، لكن معرفة أن بلدًا غالبيته مسلمة مزدهر، بل سيزداد ازدهارًا وابتهاجًا بتعديله للدستور خوفًا من الانقلابات العسكرية التي أطاحت بحكومات منتخبة أكثر من مرة، وجرت عجلة التقدم إلى الوراء، وبعيدًا عن النظام البرلماني المعروف بالمصادقة المتأخرة على المشاريع مقارنة بالنظام الرئاسي، تُعَكِّر مزاجهم. ولو كانت محبة في الأتراك لقُبِلت عضوية تركيا منذ سنوات في الاتحاد الأوروبي، ونحن نرى ونسمع أن دولًا تمر بأزمة خانقة تستحق أن تكون خارج هذا الاتحاد، كاليونان وغيرها.

  وإذا ما رجعنا بالزمن لأسابيع ما قبل الاستفتاء التركي؛ نجد أن الأوروبيين حشروا أنفهم في استفتاء داخلي في ضرب سافرٍ يتعلق بدولة غير أوروبية، ولطالما دافعوا عن أنها ليست بذلك. فنجد أن ألمانيا منعت وزير الخارجية، جاويش أوغلو، من إلقاء خطابه أمام الجالية التركية – كما منعت هولندا وزيرة الأسرة التركية من دخول أراضيها، وأخرجتها بالقوة، هي وتَجمّعها بالكلاب والخيول، في مشهد يضرب عرض الديمقراطية المزيفة لدى الأوروبيين بالحائط – ناهيك عن ما قالته النمسا وسويسرا في ما إذا أراد الوزراء الأتراك أن يقوموا بتجمعاتهم بهاته البلدان.

لكن حرب الإعلام ضد الأتراك لم تبدأ هنا، بل في الوقت الذي تكلم فيه رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان – ليلة الانقلاب – ودعى الأتراك للخروج إلى الشارع والدفاع عن ديمقراطيتهم .. خرج الإعلام المُغرض ليقول إن اردوغان يطلب اللجوء السياسي من ألمانيا – حسب sky news الإنجليزية – وتغاضوا عن التنديد بمحاولة الانقلاب آنذاك.

 حرب الإعلام لم تقف عند هذا الحد؛ فمنشورات france 24 الفرنسية، وdw الألمانية، تتحدث عن بوادر ظهور صراعات أهلية نتيجة الاستفتاء على الدستور وعن رفض قاطع لمضامين الدستور الجديد من لدن الطبقة الرافضة، والتي  صوتت بلا له، وذلك بأعمال تخريبية والكثير من المغالطات غير الصحيحة وغير الحيادية.

بَيْدَ أنّ الأجواء هنا بتركيا – وبالتحديد أزمير – معقل المعارضة التركية، تمر في أجواء مسالمة بعيدًا عن المشاحنات والمزايدات التي يروج لها الإعلام الغربي الفاسق.

ولو كان الاستفتاء مُتلاعبًا فيه لما رأيت نسبة المصوتين بنعم متدنية حتى وصلت إلى 51.2 بالمائة، ففي الوقت الذي تنتهي فيه انتخابات بأزيد من 90 بالمائة في دول عربية، أبانت تركيا عن ديمقراطية نزيهة؛ جعلت العالم يشهد على حُسنهم والتزامهم بوعوودهم .. فهنيئا لتركيا بحكومتها الديموقراطية .. مع متمنياتنا الحارة لباقي الحكومات .. خصوصًا بالازدهار الفكري.