صاحب هذا الكتاب هو الدكتور حسن محمد توفيق ظاظا 1999-1919م، وهو عالم مصري عُدّ من أشهر المختصين في اللغة العربية واللغات السامية، لا سيما العبرية التي يقف في الطليعة من أساتذتها والخبراء فيها، وفيما يتصل بها من ثقافة وفكر يهودي وصهيوني

ويتناول المؤلف في هذا الكتاب ثلاثة مواضيع أساسية تتعلق بالفكر اليهودي.

الموضوع الأول: وهو مقالة بعنوان «القدس مدينة الله أم مدينة داوود؟»

في هذا الموضوع يتتبع المؤلف تاريخ مدينة القدس وتسمياتها المختلفة عبر العصور، فيذكر أن أول إشارة للمدينة قد ورد في لوحات تل العمارنة التي ترجع إلى عهد كل من أمنحوتب الثالث وابنه أمنحتب الرابع المعروف باسم (إخناتون)، وكان عهد كليهما في الفترة الواقعة ما بين (1400 -1350 ق. م) تقريبًا، حيث وردت بعض الكتابات المسمارية والبابلية التي تذكر مدينة أورشليم، حيث يقوم حاكم المدينة بطلب النجدة من الفرعون المصري لصد غارات بعض القبائل الغجرية على المدينة.

وتكرر ذكر المدينة في نقوش الملك الأشوري سنحريب (حوالي 700 ق. م) تحت مسمى (أورسليمو).

وفي عهد الإسكندر الأكبر (حوالي 330 ق. م) ذكرت المدينة تحت اسم (هيروسوليما).

ويرى المؤلف أن اسم (أورشليم) ليس اسمًا عبريًّا أصيلًا، وأن أصله يعود لمرحلة ما قبل دخول اليهود إلى فلسطين، أما عن معنى الاسم، فهو يرى أنه اسم مركب من كلمتين أو مقطعين، المقطع الأول وهو (أور) ومعناها مدينة والمقطع الثاني وهو (شاليم) وهو إله وثني عند الكنعانيين يعرف بإله السلام، أي أن أورشليم تعني مدينة إله السلام.

وبعد ذلك يتناول المؤلف الطبيعة الجغرافية للمدينة المقدسة، فيذكر موقعها وأهم جبالها ووديانها.

ثم يذكر د/ حسن ظاظا تاريخ القدس باختصار في عهد داوود وابنه سليمان، ثم أثناء انقسام الدولة العبرانية بين رحبعام بن سليمان ويربعام ملك الشمال، وكيف تعرضت المدينة إلى الخطر في عصر الفرعون المصري نخاو، ثم إلى الخطر الآشوري في عهد الملك سنحريب.

وكيف سقطت أورشليم على يد البابلي بختنصر الذي هو (نبوخذ نصر)، ثم الأسر البابلي لليهود والذي استمر حتى قيام الإمبراطورية الأخمينية وقيام الإمبراطور الفارسي كورش بإعادة اليهود مرة أخرى إلى بلادهم وموطنهم الأصلي.

وبعد ذلك يتطرق المؤلف إلى الصراع بين البطالمة والسلوقيين على أورشليم، ومن بعدهم الرومان، وكيف كانت الثورات المتكررة لليهود سببًا في تخريب المدينة على يد القائد (تيتوس) المرسل على رأس جيش كبير من قبل أبيه الإمبراطور فسبازيان.

ثم يذكر المؤلف اسمًا آخر عرفت به القدس، وهو اسم (إيليا كابيتولينا) ويشرح سبب تسميتها بذلك، فالمقطع الأول من الاسم تم اشتقاقه من اسم الإمبراطور الروماني (إيليا هادريان) أما المقطع الثاني فهو مشتق من اسم معبد الإله جوبيتر (الكابيتول).

وظل اسم إيليا علمًا على المدينة حتى قام المسلمون بغزوها عام 637هـ، وتم تسليم المدينة بعد الاتفاق مع الخليفة عمر بن الخطاب، حيث عرفت المدينة بعد ذلك باسم (القدس).

ويستكمل المؤلف طرحه، بالتطرق لموضوع شديد الصلة والارتباط بموضوع مدينة أورشليم، وأقصد به (هيكل سليمان).

فيشرح لماذا لم يقم داوود ببناء الهيكل ولماذا ترك تلك المهمة لخليفته، وهو يجيب على ذلك بنص واضح من العهد القديم يذكر فيه داوود أنه لم يقم ببناء الهيكل لأنه قام بالكثير من الحروب وسفك الكثير من الدماء مما لا يجعله جديرًا ببناء بيت باسم الإله (أخبار الأيام الأول -22).

ويتناول المؤلف أعداد الصناع الذين اشتركوا في بناء الهيكل، والخامات التي تم استخدامها في سبيل ذلك، ويصف الهيكل من الداخل ثم يتطرق إلى الهياكل التي حاول اليهود بناءها بعد ذلك عقب رجوعهم من المنفى على أنقاض الهيكل الأول.

الموضوع الثاني: وهو ترجمة المؤلف لمقال بعنوان «حول تاريخ الأنبياء عند بني إسرائيل» لـ م. ص. سيجال

وفي كلمته المدخلية للترجمة، يذكر (د/حسن ظاظا) أهمية التفرقة في المصطلحات المتشابهة المستخدمة في الأديان المختلفة، وهو يضرب مثالًا على ذلك بعدد من المصطلحات التي قد يظهر أن استعمالها واحد في جميع الأديان ولكن الحقيقة أن الفارق في استخدامها كبير جدًا، فمثلًا كلمة الوحي يتم استخدامها في عدد من الأديان ولكن معناها في الإسلام يختلف عنه في المسيحية أو اليهودية، وكذلك في كلمات مثل القضاء والقدر أو الجنة أو الرضوان.

ويبرز (د/حسن ظاظا) أهمية المقالة والدافع الذي حدا به لترجمتها، في كون مؤلفها سيجال هو واحد من أبرز المؤلفين اليهود وأكثرهم خبرة في دراسة التوراة، وأن سيجال قد كتب تلك المقالة مشاركة منه في الاحتفال لبلوغ الحاخام (يوسف صبي هرتس) سن السبعين، وهرتس هذا هو أحد أهم الشخصيات الكهنوتية اليهودية في العصر الحديث، فقد كان يشغل منصب الحاخام الأكبر لبريطانيا وإمبراطوريتها الكبرى وراء البحار في أثناء محاولة الصهيونية لانتزاع وطن لهم في فلسطين، وكان هرتس صاحب دور بارز في استصدار وعد بلفور من السلطات البريطانية.

أما عن موضوع المقالة التي كتبها سيجال وترجمها ظاظا، فكان هو فكرة النبوة عند اليهود.

فعن طريق ذكر عدد كبير من الاستشهادات المقتبسة من أسفار العهد القديم مثل (صموئيل الأول – صموئيل الثاني – أخبار الأيام الأول – أخبار الأيام الثاني – هوشع – ميخا) وغيرها من الأسفار، يحاول المؤلف أن يفرق بين كلمتي (الرائي) و(النبي).

فبالنسبة لكلمة الرائي، فقد تم استخدامها في مرحلة تاريخية تسبق المرحلة التي تم استعمال كلمة النبي فيها، وكان الرائي يقوم برؤية المستقبل والتنبؤ بالغيب، فقد كان يشبه الحكماء والسحرة والعرافين.

أما (النبي) فيمكن أن نعتبره مثل (فم الإله) في العقيدة اليهودية، فهو الذي يبلغ أوامر الله لشعبه، وكذلك فهو الذي ينقل طلبات الشعب إلى الله، فيمكن أن نعتبره بمثابة الوسيط بين الطرفين.

فإبراهيم مثلًا تضرع كثيرًا إلى الله كي لا يخسف سدوم. (تكوين 23:18-33)

و(موسى) دعا الله من أجل فرعون والمصريين وبني إسرائيل في الكثير من المواقف. (الخروج 33:9 & 15:14)

وكذلك صلى (صموئيل) من أجل شاؤول أول الملوك. (صمويل الأول 11:15)

وأيضًا، فإن أحد أهم اختلافات النبي عن الرائي في العقيدة اليهودية، أن النبي يرتبط بالمعبد ارتباطًا وثيق الصلة، فهو يرتاد المعبد ويسكن بقربه ويلقي موعظته على الشعب فيه، وكذلك فقد كان ينشد الأشعار والمزامير وسط الألحان المنبعثة من الآلات الموسيقية.

ويذكر المؤلف، أن النبي كان هو الحاكم الحقيقي وصاحب السلطة الأكبر في المجتمع الإسرائيلي القديم حتى عهد النبي صمويل، حيث حدث تغير مهم وهو أن صمويل قد أعلن أن شاؤول هو ملك اليهود وبذلك حدث خروج للسلطة من الأنبياء إلى الملوك، وهو ما يراه المؤلف نهاية للعهد الثيوقراطي الإسرائيلي وبداية لعهد جديد من (العلمنة) التي حدث بها انفصام ما بين كل من الدين والسياسة.

 

الموضوع الثالث: وهو مقالة بعنوان «الدولة الصهيونية والتعصب العنصري»

يتعرض (د/حسن ظاظا) في تلك المقالة لفكرة (التعصب العنصري) عند اليهود، ففي البداية يذكر عددًا من المفكرين اليهود الذين قاوموا فكرة التعصب العنصري، ومنهم:

  • موسى بن ميمون (ت 1204 م)
  • باروخ سبينوزا (ت 1677م)
  • موسى مندلسون (ت1786م)

ويحاول المؤلف أن يتتبع أصول التعصب العنصري عند اليهود، ففكرة انتماء اليهود جميعًا لعنصر واحد نقي يتفرع من نسل سام بن نوح، هي فكرة تدعم من فكرة التعصب العنصري، ويحاول اليهود أن يدافعوا عنها ويبحثون لها عن شواهد وأدلة بالرغم من أن كثيرًا من علماء الأنثروبولوجيا وعلم الأجناس قد شككوا في صحة هذه الفكرة.

ويذكر المؤلف أن الكثير من أعياد اليهود يظهر فيها تأثير التعصب العنصري، فالكثير من تلك الأعياد تتحول لمناسبات للتفاخر بالعنصر اليهودي والطعن في العناصر الأخرى التي عادتهم على مر التاريخ.

فعلى سبيل المثال يذكر المؤلف عيد فوريم أو عيد بوريم للتدليل على ما وصل إليه، فأصل ذلك العيد يعود إلى زمن تحرير اليهود من الاسر البابلي ومصاحبتهم للملك الفارسي إكسركسيس الذي وصل العديد من اليهود لمناصب السلطان والنفوذ الكبرى في دولته، وهو الأمر الذي أثار قلق الوزير هامان مما جعله يهم بالقضاء عليهم، وهو الأمر الذي التفت إليه واحد من كبار اليهود يدعى مردخاي، فقام بتسليط ابنته بالتبني وتدعى استير على الملك الفارسي، فقامت بإغوائه واستصدرت منه أمرًا بقتل هامان وأتباعه، فتم قتل ما يقرب من خمس وسبعين ألف فارسي، وتم تخليد تلك القصة في سفر (استير) الذي تمت إضافته إلى الكتاب المقدس بجانب التوراة بالرغم من عدم ذكر اسم الله فيه ولو لمرة واحدة.

كما يظهر احتقار اليهود لغيرهم من الشعوب، في تسميتهم لها باسم (جوييم) وهي كلمة تدل على الاحتقار والإهانة والازدراء، حتى أنه لو قام أحد الجوييم باعتناق اليهودية فإنه يعرف عندها بـ (جير) تمييزًا له عن اليهودي الأصلي، ويكون له أحكام خاصة به وتختلف كثيرًا عن الأحكام العامة التي يتعامل بها اليهود الأصليون.

ثم يتطرق المؤلف لواحد من أهم مباحث الكتاب – إن لم يكن أهمها على الإطلاق من وجهة نظري – وأقصد به العلاقة ما بين (نشأة اللاسامية) و(العنصرية اليهودية).

فالمؤلف يرى أن الصهيونية مسؤولة عن إعادة بعث فكرة عداء السامية في الدول الغربية وغيرها من الدول.

فعلى سبيل المثال، أثناء فترة صعود الرايخ والحرب العالمية الثانية كان هناك اعتقاد بأن النازية هي المسؤولة عن اضطهاد اليهودية، وأنه بهزيمة النازي فإن فكرة (اللاسامية) سوف تنتهي، ولكن ذلك الاعتقاد أثبت خطأه بعد ذلك وتم استبداله باعتقاد آخر وهو أن اللاسامية ستبقى طالما ظل هناك يهود في العالم.

ويستشهد المؤلف على ذلك، بما أوردته صحيفة النيويورك تايمز على لسان أحد زعماء الصهيونية البارزين بقولها (قائد يهودي يحذر اليوم من أن اضمحلال اللاسامية ربما يشكل خطرًا على وجود اليهود، إن اختفاء اللاسامية في معناها التقليدي، بالرغم من أنه مفيد للوضع السياسي والمادي بالنسبة للجماعات اليهودية، إلا أنه أتى بنتائج سلبية على حياتنا الداخلية).

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست