لا ريب أن وتيرة الأزمات المالية والانهيارات الاقتصادية العالمية جعلت الخدمات المصرفية والاستثمارية الإسلامية تلقى استقطابًا وقبولًا أكبر، وهذا ما أتاح لها المزيد من الفرص لجذب عملاء جدد حول العالم، وجعل الاجتهاد في البحث عن طرق للتعامل المصرفي في إطار أحكام الشريعة الإسلامية ضرورة حتمية، سواء في المجتمعات المسلمة التي تسعى إلى الابتعاد عن شبهة الربا، أو في الاقتصاديات العالمية الباحثة عن سبل معالجة وتقليل مخاطر الأزمات المالية.

فالمصرف الإسلامي مؤسسة مالية تقوم على مبدأ المشاركة في الخسائر والأرباح، بدلًا من التعامل المصرفي التقليدي القائم على مبدأ المديونية فقط دون أدنى مشاركة أو توزيع للمخاطر بين الدائن (المصرف) والمدين (المتعامل).

حيث ترتكز المصارف الإسلامية في نشاطها على مبادئ أساسية أهمها: عدم التعامل بالفوائد الربوية، اعتبار العمل هو المصدر الرئيسي لزيادة المال والكسب، توظيف رؤوس الأموال لخدمة وتنمية المجتمع والمصلحة العامة.

وتتمثل الأهداف الجوهرية للمصرف الإسلامي في تطبيق المعاملات الاستثمارية والمصرفية في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية، وتعمل على بلوغ ذلك من خلال توظيف  الأموال والمدخرات المستقطبة بدلًا من إقراضها، ويكون استثمارها إما ذاتيًا أو بتمويل مشاريع المتعاملين وتتم هذه العمليات المصرفية في إطار نشاطات متعددة والتي تخضع لعقود محددة بناءً على مبادئ الشريعة الإسلامية ومن أهمها نذكر ما يلي:

المضاربة: وهي صيغة تمويلية حيث يقوم المصرف بتمويل المشروع بالكامل، ويديره المتعامل بناءً على خبرته وجهده، وتقسم العوائد حسب نسبة من الأرباح يتفق عليها الطرفان مسبقًا، أما في حالة الخسارة فتقع على عاتق المصرف وحده ولا يتحمل المتعامل أية أعباء مالية فلا يخسر إلا الوقت والجهد الذي بذله، إلا في حالات التقصير أو الإهمال.  ويعتبر هذا النشاط من أهم النشاطات التمويلية في المصارف الإسلامية وأكثرها استقطابًا من طرف المشاريع الصغيرة والمتوسطة.

المشاركة: وهي عقد بين المصرف الإسلامي والعميل يقوم على أساس الاشتراك في رأس المال والعمل وأيضًا تقاسم الأرباح أو الخسائر حسب الاتفاق المبرم بينهما.

المرابحة: وهي أقرب صيغة للتجارة حيث يقوم المصرف بشراء سلعة للعميل هو عاجز عن شرائها في الوقت الحالي، ويكون ثمنها الإجمالي عبارة عن السعر الأصلي لها بالإضافة إلى الربح المتفق عليه ويتم الدفع على أقساط شهرية أو دورية معلومة.

الإجارة: وفي هذه الصيغة يتولى المصرف (المؤجر) اقتناء عقار على أساس اختيار العميل (المستأجر)، ويتم إعطاؤه حق الاستفادة من العقار لمدة زمنية وثمن شراء محددين ومتفق عليهما مسبقًا بين الطرفين.

كما تقدم المصارف الإسلامية صيغًا تمويلية أخرى مثل السلم، المزارعة، المتاجرة، المغارسة والاستصناع، بالإضافة إلى خدمات مصرفية وغير مصرفية متنوعة من تحصيل أوراق تجارية، حوالات مصرفية، اعتمادات مستندية، صرف العملات الأجنبية، خطابات الضمان وغيرها، كذلك تنفرد بتقديم نشاطات القرض الحسن وصندوق الزكاة.

  • مما سبق تظهر الفروقات الجوهرية بين المصارف الإسلامية والتقليدية سواء من ناحية النشاطات والصيغ التمويلية المتبعة، أو الأهداف المسطرة، والتي تتجلى في تحقيق أقصى عائد وربحية بالنسبة للمصارف التقليدية في ظل النصوص القانونية فقط دون اتباع أية تشريعات دينية أو السعي لتحقيق مصالح المجتمع والعامة.

أما المصارف الإسلامية والتي تعتبر العماد والمحرك الرئيسي للاقتصاد الإسلامي تتضح أهدافها الأساسية في تحقيق العدالة بتوزيع المخاطر بين رأس المال والعمل من خلال مبدأ ترسيخ مبدأ المشاركة، وتجنيد الأموال لخدمة المجتمع من خلال توفير موارد جديدة ومتميزة للدولة مثل موارد الزكاة، وكذلك التشجيع على الاستثمار بدلًا من اكتناز الأموال من خلال تقديم مشاريع في مختلف المجالات التجارية، الصناعية أو الزراعية ومختلف الآجال القصيرة، المتوسطة والطويلة، دراسات جدوى المشاريع والتقييم الدقيقة لمدى قدرتها على تحقيق الأرباح، وكذا تشجيع الملكية الخاصة للعقارات ووسائل الإنتاج، ودفع عجلة الاقتصاد نحو النمو.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست