لا يبتغي الميالون للقراءات التي تختزل الصراع في سوريا إلى مجرد تنافس إقليمي دولي على مد أنابيب الغاز إلى أوروبا عبر الأراضي السورية، لا يبتغي هؤلاء النُفاة لأي بعد قيمي أخلاقي نضالي، من خلال رؤيتهم الاقتصادوية الضيقة هذه، تضييعَ جوهر الصراع السوري الراهن باعتباره نضالا لأجل التحرر واستردادا للذات وعودة للروح ولا إنكار صفة الثورة عنه فحسب، بل يرومونَ أكثرَ من ذلك؛ ألا وهو تسخيف مأثرة الكفاح المستمر طيلة 5 سنوات والنظر إليه بحسبانه مباراة إقليمية استثمر فيها اللاعبون الكبار أدوات محلية وكيلة تقاتل نيابة عنهم.

ينحصر هدف مروجي هذه القراءات الأسمى في التعمية عن أهوال قيامية تفوق الخيال تسبَّبَ بها رامي البراميل وصَرْفِ النظر عنها، وتقليل فداحتها من خلال توجيه الأنظار وتسليط الضوء على مسائل وتفاصيل وأسرار غامضة مشوقة ملهبة للخيال وخافية عن الجمهور ومتعالمة ومتذاكية وموحية بسعة الاطلاع، تشكل بقناعتهم لب المشكلة وأساس المعضلة وليس وحشية النظام وَصَمِّه الآذان عن نداءات شعبه للتغيير، مايعني التمهيد والتوطئة النفسية لفكرة انتفاء الحاجة لاتخاذ موقف أو إظهار انتماء أو إبداء انحياز، طالما أن المسألة ليست سوى لعبة دامية يديرها الكبار. وبذلك يوجدون لأنفسهم الذريعة والمبرر لموقف الحياد الواطي الذي لازالوا حتى اللحظة -ورغم مئات ألوف الشهداء- أوفياء له بإصرار عجيب وببلادة حس تعافها النفوس السوية.  

أمثال هؤلاء مولعون جداً ببرامج ذات عناوين مثيرة من قبيل "لعبة الأمم" الذي تبثه قناة الميادين والذي يحضره ضيوف لا طعم ولا لون ولا رائحة لهم مثل "عماد فوزي الشعيبي" مع خريطته التي يبين فيها مدى جدوى وتنافسية ومحظوظية الغاز (القطري أو الروسي) الذي سيمر عبر سورية. "لعبة الأمم" هي تسمية مواتية جداً ومعبرة عن نفسية أصحاب هذه القراءات التي تنحو منحى مادي بحت تزول فيه الفوارق بين الحق والباطل وبين الخير والشر. فبالنسبة لهؤلاء؛ لايعدو الأمر كونه مجرد تنافس إرادات دولية وتصفية حسابات على الأرض السورية. وإذا كان صحيحاً من وجهة نظر تحليلية أن الأمر في سورية آل إلى ما يقولون، وفَقَدَ عفوية البدايات، فالسؤال الذي يكشف عن تأصل رماديتهم وعدم طروئها وبالتالي تمكن قلة الناموس والوجدان لديهم هو: ماذا عن فصل البداية من القصة السورية ياسادة؟ ماذا عن مشهد الاستهلال في الملحمة السورية ياحضرات؟

فمع هذا السؤال ومع براءة اعتصام الساعة ومشهدية ساحة العاصي وآلاف بؤر التظاهر على كامل التراب السوري لن تنفع تلك النظريات والسرديات التي تضرب بالرمل وتقرأ الفنجان أكثر مما تستند إلى الحقائق. 

من خلال المشاهدة والخبرة اليومية، لن يكون صعباً ملاحظة أن كل حاملي هذه القناعة الواطية هم ممن يرون أنفسهم منسجمين وقريبين مما يطلقون عليه مسمى "التيار الثالث"، مساوين بسفالة بين نظام لص ومجرم وعديم الوطنية وبين ثوار كان لهم أخطاؤهم التي ليس فقط لايمكن بحال أن تقاس بجرائم الطاغية بل التي يتحمل الأخير وزرها مرتين؛ مرة لأنها ردود أفعال خانها بعض الرشد نظراً لاستباحته المنقطعة النظير للمجتمع الثائر ومرة لأنه وأباه حكما سورية نصف قرن بطريقة تخريبية كان من الطبيعي جداً أن تُسفر عن اختلالات ذهنية وسلوكية ونفسية في أداء الجماهير، وبنهج مهيمن محكم الإغلاق ومسدود ومانع لأي وافد رديف كان سيساهم بتكوين وصياغة وعي الجماهير، مايجيز تحميله وحده منفرداً مسؤولية الخلل في أداء الناس المنتفضين على اعتبار أنهم صنيعة يديه ونتاج محاضنه التربوية ومعسكراته الترويضية ومؤسساته الموبوءة دون أي شريك نافسه السيطرة أو قاسمه جناية الاستبداد المديد. 

لا يحتاج الأمر لكثير جهد لتفنيد مضمون هذه السردية، ذلك أنها تفتقد للمقدرة التفسيرية وتعجز عن الإجابة عن تساؤلات جوهرية تمس صميم الواقع وتقف صامتة حائرة أمام حقائق صلبة ومشاهدات عيانية تنطق الصخر، بل لن يكون الدحض معها مفيداً أصلاً، ذلك أنه ليست علمويتها المدعاة ولا رطانتها المتفذلكة ولا تذاكيها الأجوف ولاعباراتها الموهمة بسعة المعرفة ولا تثاقفها السخيف ولا ادعاؤها الموضوعية، ليس شيئاً من ذلك هو وراء تبني هذا الرهط الواطي لهذه القراءة، حتى نناظره ونساجله بالأدلة والقرائن.

فقط عداء فكرة الثورة من أساسها والتحسر على ما فات الرماديين جراءها وتميزهم غيظاً ممن اجترح بطولة الاحتجاج وكشفَ جبنهم وعرى وضاعتهم وارتضاءهم الذلة والمسكنة، بما أظهره من شجاعة الإقدام والتظاهر والإسعاف ثم القتال، فقط هذه الأسباب هي وراء قناعتهم الرمادية والتي غالباً ما تخفي ولاء لا يجرؤون على البوح به. 

يحدثك المحايد كثيراً عن "الروسي" العنيد باستخدام صيغة المفرد للدلالة عن الروس، وعن "الإيراني"حائك السجاد للدلالة عن الفرس وعن "الأمريكي" المراوغ، غافلاً –وبمحاكاة كاشفة- عن أنه يقلد طريقة محور الممانعة في الكلام. لاتصدق أنه مقتنع بما يقول، إنه مغتاظ فقط من "السوري" الثائر الذي لم يخنع مثله.

بختام جلستك مع المحايد الواطي، ستجده يؤكد لك أنه ليس أسدياً، مايعني ضمناً أن كل ماقاله قبل ذلك يؤكد على أنه أسدي... لكنه ورغم ذلك لازال ينكر استنتاجك السليم من منطوق ومفهوم كلامه. ينكر خجلاً لا قناعة.