قال ابن القيم في زاد المعاد: "لما رأت قريش أمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعلو والأمور تتزايد، أجمعوا أن يتعاقدوا على بني هاشم وبني المطلب وبني عبد مناف ألا يبايعوهم ولا يناكحوهم ولا يكلموهم ولا يجالسوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكتبوا بذلك صحيفة وعلقوها في سقف الكعبة.. وحبس رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه في شِعْب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من البعثة، وبقوا محصورين مضيقاً عليهم جداً، مقطوعاً عنهم الميرة والمادة نحو ثلاث سنين حتى بلغ بهم الجَهْد، وسُمِعَ أصوات صِبيانِهم بالبكاء من وراء الشِّعب".

لقد كان الحصار ومازال من الوسائل الخسيسة التي يتوارثها الطغاة والمستبدون على مر العصور، لا ترق قلوبهم الغليظة لبكاء الأطفال الجياع، وصراخ النساء الثكالى على فقدان العائل والسند. هؤلاء الجبابرة المجرمون الذين يتلذذون بمشاهدة الضعفاء وهم يُصارعون الموت خلف جُدرانهم وأسلاكهم الشائكة حتى تهوى أجسادهم النحيلة التي لم يُبق منها الجوع والظلم إلا العظام.

وكما في شعب أبي طالب كانت مضايا السورية؛ مآسي حصار مليشيات النظام السوري المجرم مدعوما بجيش طائفي يستمتع بمشاهدة أربعين ألف نسمة يحصدهم الجوع حصداً نتيجة الحصار الغاشم المضروب عليهم لشهور طويلة. أكثر من أربعين ضحية ظلماً وعدواناً، وصور الأطفال والرجال مفزعة ورهيبة لا يتحملها صاحب قلب ينبض أو من له إلى الإنسانية نسب. أما الطغاة فينتسبون إلى آكلي لحوم البشر.

ومن الحصار.. حصار غزة وخنقها بغلق المتنفس الوحيد لها للعالم "معبر رفح"، فزهقت أرواح لطالما وقفت خلفه متمنية لحظة يفتح فيها أبوابه ليخرجوا للعلاج والحياة.

وحصار ساراييفو يُعد الحصار الأطول في تاريخ الحرب الحديثة، حيث استمر من (5 نيسان/أبريل 1992 - 29 شباط/فبراير 1996) حاصرت قوات جيش يوغسلافيا الشعبي وجمهورية صرب البوسنة ساراييفو عاصمة البوسنة والهرسك لمدة (1,425 يوماً) وهذا أطول ثلاث مرات من حصار معركة ستالينجراد، وأطول بسنة من حصار لينينغراد.

وقد تعددت أشكال الحصار وتنوعت، والنتيجة واحدة وهي القتل والتجويع وحصد الأرواح. 

منها الجدار.. (جدار الفصل العنصري) وقد بناه "أرئيل شارون" بتاريخ 23/6/2002، على طول الحدود الفاصلة بين الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م مع الضفة الغربية، بدعوى منع تسلل منفذي العمليات الفدائية إلى داخل الكيان "الإسرائيلي"، ويبلغ طول الجدار حوالي 770 كم، ويعزل ما مساحته 733 كم2 من الأراضي، ويقدر طول الجدار الشرقي الذي يمتد من الشمال نحو الجنوب بحوالي 200 كم، حيث تعزل وتستولي السلطات الإسرائيلية على منطقة الأغوار التي تعتبر سلة فلسطين الغذائية والمصدر الرئيسي للغذاء للشعب الفلسطيني.

ومنها: (جدار برلين)، كان جداراً طويلاً يفصل شطري برلين الشرقي والغربي والمناطق المحيطة في ألمانيا الشرقية، وكان الغرض منه تحجيم المرور بين برلين الغربية وألمانيا الشرقية، بدأ بناؤه في 13 آب/أغسطس 1961 وجرى تحصينه على مدار السنين.

ومنها (جدار سارتر) في كتابه المسمى "الجدار" عام 1939 لثلاثة سجناء في أحد السجون الإسبانية خلال الثورة التي أعلنها الجمهوريون ضدّ الحكم الفاشستي. دخل هؤلاء السجن ليحاكموا وينفّذ بهم الإعدام بتهم الإرهاب والمشاركة في الثورة.. والسجن كان عبارة عن قبو ذي منافذ جانبية، علاوة على كوّة في أعلى السقف، فلم يعانِ هؤلاء السجناء هول «جدران» السجن، لكنّ الجدار الذي قصده سارتر هنا، إنّما كان جداراً متخيلاً وواقعياً في آن. إنّه الجدار الذي يُرعب هؤلاء الثلاثة، جاعلاً من لحظات حياتهم القصيرة كوابيس طويلة، فهو «المتكأ» الأخير الذي سيستندون عليه إثر إعدامهم بالرصاص، وفي أسفله سيسقطون مضرّجين بدمائهم، وأمامه سينهارالسجناء الثلاثة، وانهيارهم سيعني انهيار العالم أمام الجدار الأخير.مجلة الدوحة. 

وجدران سجن كل حر هو حصار للحرية، يتباهى الطغاة برفع بنيانه وضخامة أسواره، لتغيب في غياهبه صراخات المُعذبين، وأنين المسجونين، حيثما كانوا؛ في جوانتاناموا أو خلف جدران أبو غريب، أو سجون الاحتلال الصهيوني، أو تدمر السورية، أو العقرب المصري.

وأشد من حصار الأجسام مع بشاعته، حصار النفوس في داخلها مخافة السجن والبطش، حتى صار للحائط أُذنان، فغابت كل معاني الحياة، والحرية، والتقدم، والعمل، فصار الناس من خوف الموت في موت.

إلا المؤمن فلم يقدر الطغاة على حصاره، حتى وإن قيدوا حركته، وحبسوا جسده، فروحه حرة تحلق في سماء لا حدود لها، وقلبه مطمئن لا يستطيع على حبسه أحد. وقد وصف ابن القيم شيخه ابن تيمية فقال: "قال لي مرة: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أينما رحت فهي معي لا تُفارقني، إن حبسي خلوة وقتلي شهادة وإخراجي من بلدي سياحة، وكان يقول في محبسه في القلعة: لو بذلت لهم ملء الأرض ذهباً ما عدل عندي شكر هذه النعمة أو قال: ما جزيتهم علي ما سببوا لي فيه من الخير".

وإنما المحبوس من حبس قلبه عن الله تعالى، والمأسور من أسره هواه كما يقول ابن تيمية، ويُكمل ابن القيم وصفه لشيخه: "وعلم الله مارأيت أحداً أطيب عيشا منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش وخلاف الرفاهية والنعيم، ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشا وأشرحهم صدراً وأقواهم قلباً وأسرهم نفساً، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتدّ بنا الخوف وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض، فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب عنا ذلك كله وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة، وكان يقول: إن في الدنيا جنّة من لم يدخلها لا يدخل جنّة الآخرة. فسبحان من أشهد عباده جنّته قبل لقائه وفتح لهم أبوابها في دار العمل فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها والمسابقة إليها"، الوابل الصيب.

وإنما الحصار حصار الدنيا حين تعمل عمل الجاذبية فتأخذ بيد السائر فتقعده وتحاصره وتشغله (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل (38) إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شيء قدير (39))، التوبة.

"إن محنة الداعية المسلم لا تكمن في معارضة الكفر له، ولا في سجنه وتعذيبه وتجويعه، بقدر ما تكمن في استرخاء همته والتذاذه بالراحة..
ما محنة الداعية إلا لهوه وغفلته وجلوسه فارغا، وربما زاد فينفتح له باب من اللغو بعد اللهو.
تلك هي المحنة الحقيقة التي تفتعلها الجاهلية للدعاة بما تعرض للناس من مغريات وأسباب لهو وتلفت أنظارهم إليها، وما انتصار الداعية إلا في أن تعاف نفسه ما يُؤثر في تقدم دعوته..

إن غفلة الداعية محنة، لأنها صرفته عن نصر ممكن أن يحققه له الجد والعمل الدؤوب، وعن أجر وثواب أخروي ليس له من مقدمة إلا هذا الجد.. وسيظل اسمنا مكتوبا في سجل الغافلين الفارغين ما دمنا لا نعطي للدعوة إلا فضول أوقاتنا، وما دمنا لا نشغفها حباً ولا نتخذها حرفة، وإن فضول الأوقات ليست قليلة ومحدودة فحسب، وإنما هي أردأ ساعات اليوم، حيث يكون فيها الذهن والجسم متعبين أشد التعب.

إن الداعية المسلم لا يملك نفسه حتى يسوغ له أن يمنح نفسه إجازة، وإنما هو ـ كما شبهه بعض الأفاضل (وقف لله تعالى)، تماماً كنسخة مصحف حين تُوقف لله تعالى وتُوضع في المسجد" محمدالراشد.