077bc209-540b-4fd7-8852-1660bd4e50d6.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

نجوى بركات

نقل هارتموت فندريش، 60 رواية عربية إلى الألمانية، وقال: “لم أتلقَّ مكالمة شكر واحدة على ما بذلته فترةً تجاوزت العقود الثلاثة، وتمنيت لو حدث ذلك من أي سفير عربي في سويسرا حيث أقيم، ونشرت إحدى دورها أعمالاً عربية عديدة”.

ثمّة في فلك الثقافة العربية “كائناتٌ” عجيبة، لا تدري من أين هبطت، وما الذي يدفعها لتستمر في دورانها حولنا، على الرغم من أفول نجمنا وانطفاء بريقه، بعد انهياره التام على نفسه، وانخطافه داخل أحد تلك الثقوب السوداء. وكلما استَعَرَتِ الأخبارُ والفظائعُ القادمة من عندنا، توقعنا أن تنفض أيديها من دمائنا، تماما كما فعل بيلاطس البنطي، حين نفض يديه من دم ذاك الصدّيق. لكن لا، إذ تراها لا تني ترجع إلينا بالفضول نفسه والحماس، حتى لتتساءل ما الذي يُجبرها على الارتباط بلعناتنا وأمراضنا، نحن الذين لن نتردّد ثانية في التنكّر لأصولنا، والمغادرة نحو أكوانٍ أخرى، وإن كانت لا توفّر نجاتنا وبقاءنا على قيد الحياة؟
تلك الكائنات، ننظر إليها نحن “العارفون” بحقائق الأمور، بشيء من الأسى، إذ نراها على براءةٍ ودونكيشوتيةٍ تجعلاننا نخاف عليها، وذلك قبل أن نفطن إلى أن “مصلحةً” ما تربطهم بنا وتربطنا بهم، فنقلّب أوجهها العديدة، كي نرفعها من ثم، مضطرين، إلى مصافّ “المصالح العليا” التي تربط عادة ما بين حضارتين، وثقافتين، ولغتين.
هذا بعضٌ مما يخطر لي كلّما التقيت مستعربا أو مترجما أجنبيا إلى العربية، وهو تماما ما خطر لي عند لقائي، أخيرا، المترجم من العربية إلى الألمانية، هارتموت فندريش، في أثناء زيارته بيروت. هو المقيم في سويسرا، والذي باتت في رصيده ستون رواية نقلها إلى لغة غوته وشيللر، لعدد مهمٍّ من الكتّاب العرب، أمثال غسّان كنفاني ونجيب محفوظ وسحر خليفة وإبراهيم الكوني وجمال الغيطاني، إلخ. فقد كان لم يزل على اهتمامه الأوّل، بدليل زيارتنا وطرح أسئلة عليّ عن إنتاج الشباب، نظرا لعملي مع عدد منهم في إطار محترفي الروائي، وتسجيله عناوين حدّثته عنها، إلخ. ومع ذلك، لم أستطع منع نفسي من سؤاله: أحقا ما تزال مهتما بالعرب وبنتاجهم الأدبي، أم أنه بات مجرد باب رزقٍ بالنسبة إليك؟ فما كان منه إلا أن أجاب: “يجب أن أعترف أن الأدب العربي لم يحقق نجاحا كبيرا في السوق الألمانية، والمفارقة أن الاهتمام القليل هذا مستمرّ إلى تراجع… لقد اضطررت إلى كتابة مقالةٍ بهذا الشأن، وزعتها على دور النشر الألمانية، لأستحثّها على ضرورة إعادة النظر في موقفها وإجراء تقييم موضوعي ومحق للأدب العربي… المفارقة الكبيرة تكمن في المفعول العكسي للأحداث على صعيد حركة الترجمة إلى الألمانية، فكلما احتل العالم العربي والإسلامي مقدّمة الأحداث، تراجع الاهتمام به وبآدابه”.
أستمع إلى هارتموت الذي لا أعرفه شخصيا إلا من خلال لقاءات متفرّقة في معارض الكتب التي نرودها، وأفكّر أن الخيبة هي ما جناه من علاقته بالعرب وبثقافتهم، وهو ما كان قد عبّر عنه، في لقاء صحافي سابق، حيث قال: “لم أتلقَّ مكالمة شكر واحدة على ما بذلته فترة طويلة تجاوزت العقود الثلاثة، وكنت أتمنى لو حدث ذلك من أي سفير عربي في سويسرا حيث أقيم، وحيث نشرت إحدى دورها أعمالاً عربية عديدة”.
أضحكني هذا الكلام. شبه أضحكني. ماذا كنت تنتظر يا هارتموت؟ وذكّرني بما قد تكون عليه ردود فعل مترجمين أجانب آخرين، من أمثال إليزابيتا برتولي، فرانس ميير، فيليب فيغرو، همفري دايفس، إيزابيلا كاميرا دفليتو، مرلين بوث، روجر ألان، لوك ليفغرين، إيف غونزاليس كيخانو، تييري فابر، وكثر سواهم ممن لا يتّسع المقال هنا لذكر أسمائهم. فهؤلاء جميعاً باتوا يقاتلون اليوم على جبهتين، داخلية وخارجية، فيما حدّة القتال في الحالتين مرشحة إلى ازدياد. فأن تحبّ اليوم الثقافة العربية أو الأدب العربي وتدافع عنهما هو كأن تحبّ مجذوما وتدافع عنه، إن لم يكن أكثر، لأنه قد يبلغ أحيانا مستوى خطر التحالف مع عدوّ والانحياز له.
“فدائيو” الثقافة العربية، أهلا بكم في ربوعنا، ولكم وعليكم ألف سلام.

إعجاب تحميل...