مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

أحمد القثامي (السعودية)

دول منطقتنا لا تملك بدائل اقتصادية من صناعاتٍ كبرى، أو مجالات استثمار مغرية، بل كلّ ما في الأمر أنّنا نمضي في رؤى عمياء، لم تجد سوى جيوب مواطنيها سبيلاً لتسجيل إنجازٍ في خفض الإنفاق، ولا يهم هنا ما يكابده المواطن.

لا يأتي الدكتاتور من فراغ، مهما كان سبيله للإستحواذ على السلطة، فهو عادة لا يكون إلا في بلدٍ لم يعش يوماً تجربة الحكم الرشيد، ويئن من فوضى سياسية واقتصاد متهاو ومجتمع غير مستقر، تعصف به الأزمات، ولم يظفر يوماً بتنمية مستدامة تشكل ركيزة لقوته داخلياً وخارجياً، فتكون عملية ابتلاع السلطة من فرد أو نخبة ما، بذريعة إنقاذ الشعب والوطن من منزلق الانهيار والفشل.
ومن هنا، يبدأ النظام السلطوي بابتداع شرعيته مخلّصا لوطنه مما يحيكه خونة الداخل ومتآمرو الخارج. وحينئذ، يدّشن مسيرة الظلام بكارثةٍ، تتلوها سلسلة من النكبات، فالمستبد، بحكم تركيبته النفسية ذات الأنا المتضخمة، لن يكون بمقدوره بلوغ أي منجز، فهو يسير بلا رؤية جليَّة، بل يتخبطه الشيطان منقاداً في شطحاته ومغامراته التي تتكفل جوقة المنافقين بتزيين سوء عمله، بل والإيحاء بأنّه صانع المعجزات المتفرّد بعبقريةٍ منقطعة النظير، لم تأت بها الأوائل، ولن يجود الزمان بمثيلها، فبيئة النظام السلطوي هي المناخ الطبيعي لتضخم الفساد وإطلاق العنان لعبثيته المفرطة، إدراكاً من الطاغية بأنّ ما يقترف من آثام الظلم والقهر والنهب هي بمثابة المكافأة لتلك الطبقة النفعية التي تشدّ من أزر النظام، بما تقدمه من دعاية سوداء لصالحه، فتجد الأثرياء من ذوي الصفحات السوداء، حيث مصادر ثرواتهم المجهولة، يُعضدهم البيروقراطيون المترهلون من المنتفعين الذين يجعلون من القوانين برداً وسلاما أو شراً مستطيراً لا قِبل لأحد بهم. هم كهنة المعبد لكلّ مستبد، فصناعة الوهم عن فتوحات اقتصادية عظمى، ستأتي بالرخاء، هي جزء أصيل من ديماغوجيا يقع في شركها البؤساء، في ظلّ شعوبٍ تكتسحها الأمية، حيث الوعود التي لا تنتهي بالفردوس القادم ونعيمه، لكن الطريق إليه مليئة بالأشواك التي تستلزم صبراً كثيرا من المواطن، وتحمل شيء من القمع والتنكيل وسحق الكرامة والإهانة، فالطريق إلى الجنة ليس مفروشاً بالورود، أما من يأبى هذا الاستعباد فهو خائن مأفون ومعطّل للتنمية، وينفذ أجندة قوى الشر الكونية.
حقيقة ما يجري من رؤى اقتصادية ضبابية تتسم بالتعمية، فذلك لتكون قابلة لتعدّد التفسيرات وابتداع الحجج المزيفة، حتى يسهل التملّص من أيّ وعود واستحقاقات، فمن يعالج أزماته الاقتصادية بالوقوع في براثن البنك وصندوق النقد الدولي، فهو يرتمي في أحضان الشيطان، فقروض تلك المؤسسات الدولية مرتبطة بجرعاتٍ مدمرة من الشروط، لا يكتوي بها سوى محدودي الدخل والفقراء، حيث خصخصة القطاع العام وخفض الإنفاق الحكومي ورفع الدعم وزيادة حجم الضرائب، وتحرير الاقتصاد من أيّ قيود تجاه المستثمر الأجنبي (الشركات متعددة الجنسيات)، ولجم النقابات وتحجيم فاعليتها، وهو عادة ما يتم بالقبضة البوليسية.
مع ذلك، يغوص البلد المدين سنوات، وربما عقوداً، في عملية خدمة الدين، وليس سداده بحكم الفوائد الضخمة، وكأنّ الأمر ليس إلا قيد تكبّل به الدول وتعداد الرضوخ لسياسات أميركا الراعي الرسمي لتلك المؤسسات المالية الدولية، من دون وعي أنّ ذلك يسحق الفقراء، ويمنح الأثرياء فحش مالي أكبر.
لم يعد الأمر اليوم مقتصراً على الدول الفقيرة، بل حتى تلك المتخمة بالثروات والمطالبة لهيكلة اقتصادياتها عبر مؤسسات ومستشارين أجانب، لهم بصمات لا تخطئها العين في نكباتٍ عمّت دولاً كثيرة، بزعم أنّ تلك البلدان تسير نحو الإفلاس وعليها تنويع مصادر الدخل، فدول منطقتنا لا تملك بدائل اقتصادية من صناعاتٍ كبرى، أو مجالات استثمار مغرية، بل كلّ ما في الأمر أنّنا نمضي في رؤى عمياء، لم تجد سوى جيوب مواطنيها سبيلاً لتسجيل إنجازٍ في خفض الإنفاق، ولا يهم هنا ما يكابده المواطن، ولا حتى مستقبل أبنائه.
في بلاد العرب وحدها يسمّى أيّ مشروع سياسي أو اقتصادي، أو حتى أمني بأسماء أشخاص، يتحوّلون، عبر الزمن، إلى أوثان نعبدها، وننتظر معجزاتها الموعودة، أو بالأصح المزعومة.

إعجاب تحميل...