عندما تتعامل الدول الأوروبية مع مصر تجد نفسها مضطرة على أن تضع في اعتبارها الثقل الذي تمثله مصر وحلفاؤها في المنطقة، فانقلاب يوليو 2013 تم بدعم من بعض أهم الدول الخليجية، والتي تمتلك مصالح اقتصادية ضخمة مع الدول الأوروبية.

مرّت زيارة المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، لمصر في أوائل شهر مارس/ آذار الحالي من دون اهتمام مصري أو دولي يذكر، على الرغم من مكانة ألمانيا أهم قوة اقتصادية أوروبية، وإحدى الدول الأوروبية النافذة سياسياً بالإضافة إلى بريطانيا وفرنسا، الأمر الذي يثير التساؤل حول الغرض من الزيارة؟ وكيف مرّت بهذا الشكل؟ ومغزاها فيما يتعلق بسياسة أوروبا نفسها تجاه مصر والتحديات التي تمر بها؟
يجعلنا التدقيق فيما أعلن عن الزيارة وأهدافها نشعر بأنها تمت على عجل، وربما خجل من الحكومة الألمانية نفسها، وكأن ميركل كانت حريصةً على أن تخرج الزيارة بهذا الشكل، وألا تتحول إلى حدث أكبر، والسبب أن الزيارة ترتبط بالأساس بالأوضاع الداخلية في ألمانيا، حيث تتعرّض المستشارة الألمانية وحكوماتها لضغوط داخلية كبيرة، وخصوصاً من الجماعات اليمينية والمعادية للمهاجرين، بسبب استقبال ألمانيا مئات آلاف من المهاجرين، خلال العامين الماضيين، ما دفع ميركل إلى البحث عن سبل داخلية وخارجية لحماية حكومتها ووقف المد اليميني، وتأتي في مقدمة تلك السبل محاولة غلق الحدود الأوروبية، ومنع تدفق مزيد من اللاجئين من خلال الاتفاقية التي وقعها الاتحاد الأوروبي مع تركيا في أوائل العام الماضي، وكذلك الإسراع بترحيل اللاجئين الذين لا تتوفر فيهم شروط اللجوء.
ومنذ الصيف الماضي، والصحافة الألمانية تتناقل تصريحات لسياسيين ألمان، تطالب بتوقيع اتفاق آخر مع دول شمال إفريقيا، وفي مقدمتها مصر، يضمن منع تدفع اللاجئين إلى أوروبا عبر جنوب البحر المتوسط. وبهذا، يضمن الألمان والأوروبيون غلق الباب الجنوبي أمام اللاجئين، بالإضافة إلى الباب التركي الشرقي، وطبعاً لم تمر تلك التصريحات بشكل إيجابي على قوى سياسية ألمانية ليبرالية، رأت فيها انتهازية سياسية، وتخلياً عن الحقوق والحريات، وخصوصاً فيما يتعلق بالواجب الإنساني نحو اللاجئين.
في هذا السياق، زارت المستشارة الألمانية القاهرة، لتبحث بالأساس ملف اللاجئين، وكيف يمكن أن تساهم مصر فيه بغلق شواطئها وحدودها مع ليبيا أمام تدفق اللاجئين، وتسريع إجراءات قبول اللاجئين الذين ترفضهم ألمانيا، وربما إقامة معسكرات لاستقبال اللاجئين على أراضيها. ويعد الملف الثالث الأكثر حساسية، لذا لم تتطرق له المستشارة الألمانية في المؤتمر الصحافي مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعد لقائهما في القاهرة، في حين تحدثت عن الملفين، الأول والثاني، مؤكدة استعداد مصر للتعاون بخصوصهما.
“على المصريين عدم انتظار دول أوروبية كثيرة خلال السنوات القليلة المقبلة، حيث ستكتفي تلك الدول بدعم خطابي خجول لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، من دون ممارسة ضغوط حقيقية”

كما ناقش الطرفان المسألة الليبية موضوعاً مرتبطاً بقضية وقف تدفق اللاجئين، وأشارت المستشارة الألمانية بعجالة سريعة وخجل إلى قضية منظمات المجتمع المدني والمنظمات الألمانية العاملة في مصر، واتفاقها مع الحكومة على بحث سبل تخفيف القيود المفروضة عليها.
وبهذا، اختفت قضايا التحول الديمقراطي وحقوق الإنسان تقريباً من أجندة المستشارة الألمانية في الزيارة، واكتفت بالحديث عن ملف صغير، هو منظمات المجتمع المدني. ويلاحظ هنا أن المستشارة الألمانية زارت تونس بعد مصر، حيث حرصت على إلقاء كلمة أمام مجلس النواب التونسي، والإشادة بالتحول الديمقراطي في تونس، وهو ما لم تفعله في القاهرة. وكأنها تقر بمعادلة براغماتية تحكم علاقاتها بمصر، تقوم بالأساس على المصالح والضغوط التي تتعرّض لها ألمانيا من اليمين المتطرّف، وتتراجع فيها قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي معادلة انتهازية لا تستحق الفخر، وربما تمثل سر الصمت الذي مرّت به زيارة ميركل القاهرة، على الرغم من أهميتها.
والسؤال هنا هو ماذا عن بقية الدول الأوروبية؟ يجد المتابع لمواقف القوى الأوربية الرئيسية تجاه القاهرة منذ انقلاب يوليو 2013 تشابهاً كبيراً مع موقف ألمانيا هذا، حيث تمر دول، مثل بريطانيا وفرنسا، بتحديات مشابهة، جعلتها تعلي من قيمة المصالح على المبادئ، وتجعل قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان هامشيةً في سياستها تجاه مصر، لا تتعدى الخطاب السياسي الخجول، أما سبب هذا التراجع فيرتبط بما يلي:
أولاً: غياب موقف موحد للدول الأوروبية على صعيد السياسة الخارجية، بل إن تلك الدول تتنافس مع بعضها في توقيع الاتفاقات الأمنية والتجارية والعسكرية. وهنا، تطفو على السطح قضية تصدير الأسلحة الأوربية لمصر، بما في ذلك أسلحة يمكن أن تستخدم في القمع الداخلي، على الرغم من وضع الاتحاد الأوروبي قيوداً على دوله، فيما يتعلق بتصدير أسلحة بعينها لمصر بعد الانقلاب، وهي قيودٌ لم تلتزم بها الدول الأوروبية إلا شهوراً قليلة، ثم تسابقت فيما بينها، للفوز بصفقات أسلحة ضخمة لمصر موّلتها مساعدات خليجية، حيث تحججت الدول الأوروبية بأن نظم الأسلحة الكبرى، كالطائرات والغواصات، لا تستخدم في القمع الداخلي، وتحججت أيضاً بسباق التسلح، وبأن مصر سوف تحصل على الأسلحة من أسواق أخرى، لو لم تحصل عليها من مصانعها.
ثانياً: المساعدات الضخمة التي قدمتها دول خليجية لمصر بعد الانقلاب العسكري حدّت من قدرة الدول الأوروبية على استخدام سلاح المساعدات الاقتصادية، للضغط على النظام المصري، فالمساعدات الأوروبية لمصر لا تقارن بالمساعدات التي وفرتها تلك الدول بعد انقلاب يوليو، فعلى سبيل المثال، أعلنت المستشارة الألمانية في زيارتها القاهرة عن تقديمها مساعدات لمصر تقدر بنصف بليون دولار على عامين، وهي المساعدات الأكبر التي تقدمها دولة أوروبية لمصر خلال السنوات الأخيرة، لكنها بالطبع لا تقارن بما قدمته دول خارجية من مساعدات بالملايين، كما أن المساعدات الأوروبية تذهب، أساساً، إلى برامج اقتصادية محددة، ومن ثم يؤدي توقيفها إلى ضرر الفئات الشعبية المستفيدة من تلك البرامج.
ثالثاً: عندما تتعامل الدول الأوروبية مع مصر تجد نفسها مضطرة على أن تضع في اعتبارها الثقل الذي تمثله مصر وحلفاؤها في المنطقة، فانقلاب يوليو 2013 تم بدعم من بعض أهم الدول الخليجية، والتي تمتلك مصالح اقتصادية ضخمة مع الدول الأوروبية. وهنا يتبادر إلى الذهن التقرير الذي أعدته حكومة رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والذي تم إعداده بسبب ضغوط من دول خليجية على الحكومة البريطانية.

“تعاني الدول الأوروبية داخلياً من صعود قوى اليمين المتطرّف، وهي قوى معادية للأجانب والمهاجرين والأقليات، تجد في النظم العربية الاستبدادية حليفاً لها”

رابعاً: نجاح الثورات المضادة على العودة بدول مختلفة، كمصر وسورية وليبيا، فرض على الدول الأوروبية التعامل مع الأمر الواقع، كما فرض عليها أيضاً حقيقة التعامل مع حقائق، مثل انتشار عدم الاستقرار في دول، كليبيا واليمن، وصعود جماعات مثل تنظيمي الدولة الإسلامية (داعش) والقاعدة. وفي الحالات المختلفة، وجدت الدول الأوروبية أنفسها مضطرة إلى العودة إلى سياساتها القديمة، القائمة على الحفاظ على الاستقرار والتعاون مع النظم الاستبدادية، وهي سياسية لم تتوقف الدول الأوروبية عن ممارستها إلا خلال فترات قصيرة ومحدودة للغاية من عمر الربيع العربي.
خامساً: تعاني الدول الأوروبية داخلياً من صعود قوى اليمين المتطرّف، وهي قوى معادية للأجانب والمهاجرين والأقليات، تجد في النظم العربية الاستبدادية حليفاً لها، نظراً لتبنيها النظرة الاستعلائية والقمعية نفسها تجاه الشعوب العربية، وباعتبارهم حائط صد ضد جماعات مثل “داعش” والقاعدة. وتحت هذا الضغط، تجد الحكومات الأوروبية نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف لسحب البساط من تحت أقدام اليمين المتطرّف، ولو دفعتها إلى التركيز على القضايا الأمنية، والتغاضي عن قضايا الديمقراطية.
وهذا يعني أن على المصريين عدم انتظار دول أوروبية كثيرة خلال السنوات القليلة المقبلة، حيث ستكتفي تلك الدول بدعم خطابي خجول لقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، من دون ممارسة ضغوط حقيقية، هذا ما لم يفاجئ الشعب المصري الجميع، كما فاجأهم في يناير/ كانون الثاني 2011.