المشروع الإسلاموي “يتقدم” على حساب المشروع الوطني، حين يجرى التعاطي معه باستعلاء، على الرغم من كل معطيات صراع تغيرت ملامحه عمّا كانت طوال سنوات الكفاح الأولى، أيام كان النضال الوطني يخاض عبر مناضلين أشداء متمرسين في مهامهم الكفاحية.

في الوقت الذي يتمتع فيه كيان الاحتلال الإسرائيلي الاستيطاني بمزيدٍ من عوامل القوة والاستقرار والمنعة الاستراتيجية الشاملة نسبياً، بالنظر إلى ما بلغه الوضع العربي الشعبي والرسمي، على حد سواء، من تفكك وانهيار وضعف في مكامن قوته المفترضة، كما وبالنظر إلى الوضع الإقليمي المشغول بذاته، وبأنظمته وفي أحواله الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة سوءاً، وفقداناً للسيادة والقابلية للتطور، وكذا بالنظر إلى انتعاش الشعبويات العنصرية، وصعود بعض قوى اليمين المتطرّف، على حساب التوجهات والأحزاب الليبرالية والوسطية وبقايا اليسار.
في ظل وضعٍ كهذا، يؤكد الوضع الوطني الفلسطيني ليس تأثره بهذا كله، بل هو يتجه نحو مزيد من فقدانه اتزانه واتجاهه، وقدرته على تصويب بوصلته نحو أهدافه الوطنية التي جرى التوافق عليها في مراحل سابقة بين جميع أطراف الحركة الوطنية الفلسطينية، وها هو النظام السياسي يوشك أن يفقد مستقبله، بالنظر إلى ما يحيط به من انقسامات سياسية وجغرافية، وعبر مزيد من الخطوات الانقسامية المضافة، وإصرار أطرافه الرئيسة على التمسّك بسلطة “الأمر الواقع”، وتصفيحها وكأنها نهاية مطاف السلطة، لاصطفافها السياسي الأخير، على أهداف فئوية وفصائلية خاصة، انعدمت معها فعالية النظام السياسي بشقيه، حتى باتت بعض المؤتمرات الخارجية المدعومة من قوى إقليمية، تتجرأ على اقتحام حصون المؤسسات الوطنية جميعها، وهي المشلولة بالأساس منذ ما بعد “أوسلو”، وها هي تواصل تفكّكها وانفكاكها، كل ما أوغل الخارج في البحث عن مواطئ أقدام له بعيداً عن هيمنة قوى سلطوية في الداخل، هي ذاتها مفكّكة ولا تجمعها حتى روابط المصالح الخاصة.
من هنا، قدرة بعض أشباه “البدائل” على الاندراج في بعض خطط القوى الإقليمية للتنادي نحو إقامة مؤسسات موازية أو بدائل لها، في الشتات، من دون أن يكون لها فاعلية تنظيمية أو جماهيرية، ولا تمتلك حتى “كاريزما قيادية” على أرض موحدة خارج اللفظ الشعاري، وهذا هو مأزقها المضاف إلى مأزق الواقع الوطني في مجمله، وفي محصلته الراهنة.
“بات التنسيق الأمني مع العدو يصيب المؤسسات الوطنية بأعطابٍ لا حدود لها، وصلت إلى حد إبلاغ نواب من حركة فتح بمنع إصدار تصاريح لهم من الاحتلال لأسبابٍ أمنية، بناء على طلب رسمي فلسطيني”

وفي وقتٍ يواجه الشعب الفلسطيني هجمةً شرسةً لتصفية قضيته الوطنية ومشروعه الوطني، ليس من العدو الرئيس لهذا الشعب، بل ومن خلفه أصدقاؤه الداعمون والمساندون له عبر العالم، وفي طليعتهم الإدارة الأميركية الجديدة، بزعامة دونالد ترامب؛ لا يجد هذا الشعب من بعض قياداته سوى الجحود، واستبداد حكم الفرد المطلق وتغوله، بأذرعه الاستخبارية وقوى قمعه الأمنية العاملة بموجب مخططات التنسيق الأمني مع العدو الاحتلالي، وفق اتفاقيات أوسلو التي تحولت، مع الوقت، إلى ملهاة تراجيدية، ما فتئت توجه الطعنة وراء الأخرى إلى ظهر الشعب وقضيته الوطنية، وإلى نوعٍ من الاستثمارات المربحة لدى السلطات السياسية والأمنية التي تشكلت سلطة غير سيادية، في فلسطين غير المحرّرة في كامل نطاقها التاريخي الجغرافي.
جرى إهمال المشروع الوطني، من بعض من يفترض بهم حمايته ودعمه والدفاع عنه، في مواجهة كل من أراد ويريد التفريط أو الانقلاب عليه ثانية، بعد الانقلاب الأول عليه فعلياً قبل عقد السنين العجاف، وذلك لمصلحة العدو. في وقتٍ نجد فيه أن المشروع الإسلاموي النقيض “يتقدم” على حساب المشروع الوطني، حين يجرى التعاطي معه باستعلاء وعنجهية، على الرغم من كل معطيات صراع تغيرت ملامحه عمّا كانت طوال سنوات الكفاح الأولى، أيام كان النضال الوطني يخاض عبر مناضلين أشداء متمرسين في مهامهم الكفاحية، وليس عبر موظفين وقوى قمع أمنية يقف لهم سيف السلطة بالمرصاد، في حال “انحرافهم” قيد أنملة عن الخط الذي ترسمه السلطة لموظفيها. وفي هذه الحالة، لم يعد أمام الموظفين سوى الخضوع بدون نقاش، وإلا فالعزل وقطع الأرزاق من قطع الأعناق.
ما وصل إليه الحال الفلسطيني بفعل الاستبداد، بات يستدعي وقفة حاسمة في مواجهة كامل منغصات الخروج على القانون الدستوري، وعدم التقيد بمحدّداته وقيوده المانعة وأطره الناظمة، وقد بات التنسيق الأمني مع العدو يصيب المؤسسات الوطنية بأعطابٍ لا حدود لها، وصلت إلى حد إبلاغ نواب من كتلة فتح البرلمانية بمنع إصدار تصاريح لهم من الاحتلال الإسرائيلي لأسبابٍ أمنية، بناء على طلب رسمي من الطرف الفلسطيني، ومن جهات عليا فيه، من دون أن يكون لدى الاحتلال أي موانع أمنية لاستمرار إصدار هذه التصاريح التي تمكّن النواب من التنقل بين شقي الوطن، بحسب ما جاء في تصريح للنواب المعنيين بالأمر.
بالإضافة إلى هذا السلوك المشين، هناك ممارسات قمعية وإرهابية، تقوم بها أجهزة أمن السلطة، ضد كل معارضةٍ ضمن صفوف كوادر حركة فتح ومناضليه، ليتضح أنه، وفي أعقاب المؤتمر السابع، أريد إنجاز تحويل الحركة إلى منظمةٍ شموليةٍ مغلقة، مع الخضوع لأمر واقع اقتسام تركة النظام السياسي الفلسطيني مع حركة حماس، وتحويله إلى نظام شمولي في الضفة وظلامي في غزة.

“جرى إهمال المشروع الوطني، من بعض من يفترض بهم حمايته ودعمه والدفاع عنه”

لا يجعل هذا كله المشروع الوطني بخير، وبالتالي لا يجعل من القوى المفترض أنها صاحبة المصلحة الأكيدة في الحفاظ عليه، والحرص على إنجازه، تتمكن من أن تقوى على مواجهة أهداف تشكيلة الجبهات المعادية بمشاريعها المختلفة؛ من جبهة العدو الاستيطاني الاحتلالي والإحلالي، إلى جبهة المتآمرين على قضية شعب ووطن من أنظمة الاستبداد السياسية والطائفية، وصولاً إلى عماء المشروع أو المشاريع الأيديولوجية الإسلاموية “الداعشية” منها والظلامية، وهي تقف بالمرصاد لوطنية شعبٍ، لا تعبأ كثيراً ولا قليلاً بقضيته وهويته، في تأكيدٍ منها على تديين السياسة وإظلامها و”دعشنتها” لدى بعض إسلامويي بلادنا، بكل ما يعنيه هذا التديين من تعمّد المقامرة بـخسارة قضايا شعوبنا وهويتها الوطنية، امتداداً من إثارة نعرات الفتنة في مخيمات لبنان، بدءاً مما جرى لمخيم نهر البارد، وما يخطط لأن يجري لمخيم عين الحلوة الآن، على أيدي الظلاميين الإسلامويين وداعميهم. فهل من صحوة قبل فوات الأوان لدى رواد المشروع الوطني؟ صحوة كفيلة بإنقاذه ووضع حد لعبث العابثين، ووقف تدخلات الظلاميين وتداخلاتهم، واعتداءاتهم المتواصلة على القيم الوطنية التي تجمع الشعب الفلسطيني وقضيته الأقدس في مقاومة الاحتلال، لفرض تراجعاتٍ استراتيجية عليه، بما تنطوي عليه تلك التراجعات من تقديمه تنازلاتٍ تتيح تحقيق بعض الأماني والتطلعات الوطنية الفلسطينية، قبل أن تختفي وظيفة المشروع الوطني، وفي طياته مقاومة الثورة المسلحة، من دون أن تتحقق الدولة المستقلة العتيدة المنشودة.