يبرهن النظام السياسي في المغرب مجددا على أن عملية التغيير تبقى في الهوامش، من دون أن تصل البنية العميقة إليه، وكلما ظهر زعيم أو حزب سياسي يطمح إلى زعزعة هذه البنية أو تغييرها إلا ولقي المصير نفسه.

أنهى التدخل الملكي، في المغرب، حبل الانتظار الذي تمسّك به رئيس الحكومة “مع وقف التنفيذ”، عبد الإله بنكيران، أزيد من خمسة أشهر، بعد إصرار حلفائه، المفترضين أو من يحرّكونهم في الدوائر العليا للسلطة، على تشكيل الحكومة وفق المقاس الذي يريدونه. كلما ابتعدنا عن تاريخ 7 أكتوبر/ تشرين الأول، تأكد عمليا أن هناك من لم يستسغ تلك النتائج، وخصوصا الذين وضعوا سيناريوهات أخرى، بناءً على نبوءة التصويت العقابي ضد حزب العدالة والتنمية التي أضحت في مهب الريح.
فشل كل المحاولات المشروعة وغير المشروعة من أجل فرملة المد الشعبي المتزايد لرئيس الحكومة السابق، عبد الإله بنكيران، فرض تدخل الدولة بآلياتها الخاصة؛ ممثلة في عملية “ديمقراطية” قيصرية، قصد إنزال الرجل من مقطورة رئاسة الحكومة التي لم تؤثر خمس سنوات فيها على أسهمه في البورصة السياسة، وتعيين ثاني شخصية في الحزب ورئيس المجلس الوطني، سعد الدين العثماني، مكانه.
خطوة تفاعل معها برلمان الحزب (المجلس الوطني) في بيانه بنفس إيجابي، على غرار بلاغ (بيان) الأمانة العامة قبله بيومين، كما كان متوقعا، إذا ما استحضرنا الثقافة السياسية السائدة في صفوف أبناء الحركة الإسلامية التي تقوم على قاعدة المحافظة، والمهادنة واعتماد منهج التوافق، بدل منطق الصدام، حتى وإن أدى ذلك أحيانا إلى التفريط في القواعد الديمقراطية، وهو ما رفضه بنكيران الذي وصف باليساري وسط الإسلاميين، خمسة أشهر من المشاورات، ما أدى إلى تنحيته من تشكيل الحكومة.
كان إرسال هذا السياسي المزعج للدوائر العليا إلى التقاعد المبكر مخططا له منذ أمد طويل، ولهم أكثر من سبب مشروع ومبرّر للإقدام على تلك الخطوة الخطيرة والضرورية معا، فالأجواء مواتية، أكثر من أي وقت مضى، بالنسبة للدولة، بغية استعادة ما تم التنازل عنه طوال السنوات الخمس الماضية، غير أن هذا المسعى من قبلها لن يكون سهلا مع وجود سياسي، مثل بنكيران؛ ملكي أكثر من الملك، لكنه، في الآن نفسه، لا ينبطح أرضا.
“صدقه وصراحته وعفويته أزعجت كثيرين من سدنة البروتوكول المخزني العريق، ممن ضاقوا ذرعا برجلٍ لا يتقن، على غرارهم، لغة الخشب”

يعد الجمع بين المتناقضات نقطة قوة السياسي الأكثر موهبةً في المغرب بلا منازع، فالرجل الذي كان إطفائي الربيع المغربي تحول اليوم إلى شخصية مزعجة اليوم، لعدة أسباب: خطيب سياسي أو رجل التواصل بامتياز؛ على حد توصيف السوسيولوجي المغربي، محمد الناجي، يمارس السياسة بالمباشر والتفاعل الحي مع كل ما يحتمله هذا التصرّف من مخاطر. موظفا، لأجل ذلك، قوة الخطابة الشعبية التي يتميز بها، ما حوله إلى زعيمٍ تجاوزت شعبيته المنتمين لحزب العدالة والتنمية إلى شريحة واسعة من المغاربة البسطاء، ممن لا تغريهم السياسة حتى مجيء الرجل.
صدقه وصراحته وعفويته أزعجت كثيرين من سدنة البروتوكول المخزني العريق، ممن ضاقوا ذرعا برجلٍ لا يتقن، على غرارهم، لغة الخشب، ولا يلوك الكلمات والجمل السياسية الرسمية، بل يقول، وهو في موقع الحكم والتدبير، ما لا يستطيع غيره قوله وهم في المعارضة، ويتكلم عندما يجنح غيره إلى مقولة “الصمت حكمة”.
منذ توليه منصب رئيس الحكومة في عز الربيع العربي، والرجل يتحدّث عن الشرعية الانتخابية ونتائج الصندوق؛ سعيا إلى التأسيس لممارسات جديدة في الحقل السياسي المغربي. بصيغة أكثر وضوحا، نقول إنه كان يعمل عبر المحطات الانتخابية الثلاث (نوفمبر/ تشرين الثاني 2011، سبتمبر/ أيلول 2015، أكتوبر/ تشرين الأول 2016) على فرض شرعية الشعب إلى جانب شرعية السلطة، فالإرادة الشعبية، بالنسب إليه، أمر مقدس، لا يمكن التنازل عنه، ولا التفريط فيه.
عجلت هذه الأسباب، إلى جانب أخرى، بوضع حد لمسار رجلٍ استثنائي غامر بمستقبله السياسي؛ وفي سابقةٍ من نوعها في المغرب، أكثر من مرة. بدايةً، برفضه الخروج في تظاهرات 20 فبراير في عز الربيع العربي، ثم عندما قرّر، وهو رئيس للحكومةـ إصلاحات اقتصادية غير شعبية، وثالثا لمّا وعد باعتزال الحياة السياسية إذا خسر في الانتخابات البرلمانية.
كان القصد من وراء ما حدث، بالدرجة الأولى، وضع حد لنهاية سياسي ملأ الدنيا وشغل الناس، إلى درجةٍ أسس فيها لأعراف سياسية جديدة في المغرب. وبالدرجة الثانية، تحجيم نفوذ حزب العدالة والتنمية الذي ارتبطت شعبيته بشعبية زعيمه، حتى بات الحزب يتجه، بخطى ثابتة، نحو الهيمنة، مستغلا التجفيف الذي تعرّضت له الساحة السياسية عقوداً.
تحجيم لن تدخر الدولة جهدا من أجل تحقيقه، وهو ما سوف يتأتّى لها بأيسر الطرق، بعدما أسندت مهمة رئاسة الحكومة إلى رجل التوافقات، وأحد حمائم الحزب، سعد الدين العثماني، الذي يفترض أن تؤول إليها قيادة الأمانة العامة في المؤتمر الوطني المقبل، ما يذكرنا بسيناريو حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وبيان “المنهجية الديمقراطية” سنة 2002 .
وبذلك، يبرهن النظام السياسي مجددا على أن عملية التغيير تبقى في الهوامش، من دون أن تصل البنية العميقة إليه، وكلما ظهر زعيم أو حزب سياسي يطمح إلى زعزعة هذه البنية أو تغييرها إلا ولقي المصير نفسه، ولمن له أدنى شك في ذلك أن يعيد قراءة التاريخ السياسي للمغرب الذي يتكرّر اليوم مع عبد الإله بنكيران، في نسخة معدلة تتلاءم مع السياق.