لن يكون الحكم الرئاسي المتوقع إقراره في تركيا ديمقراطياً على الطريقة الغربية، لكنه سيكون توسعياً. ولأن المشاعر القومية الضيقة عند الأتراك ستمنعهم من محاولة ضم أراضٍ سورية أو عراقية، فيها عرب وأكراد كثيرون، فإن المتوقع للمنطقة نفوذ تركي متعاظم.

منعت هولندا وألمانيا والدنمارك وزراء أتراكاً من تنظيم فعالياتٍ للجاليات التركية في أراضيها، لحشد التأييد لاستفتاء سيجري في تركيا بعد شهر، بغرض التحول من النظام البرلماني إلى الرئاسي. هذا النظام المنشود سيمنح الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، سلسلة طويلة من الصلاحيات، من بينها تعيين الوزراء وكبار القضاة وحل البرلمان، ومن شأنه إطالة عمر الحكومات التركية التي عانت تاريخياً من التعاقب السريع.
ولئن كانت الإجراءات الأوروبية قليلة النظير، فإن الرد التركي جاء صارخاً، وأثار زوبعةً دبلوماسية. فقد وصف الرئيس أردوغان الإجراء الهولندي بعباراتٍ محرمة في القاموس الأوروبي، كالفاشية والنازية، وهدّد بما سماه عقوبات دبلوماسية، وردت هولندا طالبة منه الاعتذار. وحاولت فرنسا ترطيب الأجواء.
بعد عقود من سعيها إلى الانضمام للاتحاد الأوروبي، فقدت تركيا الأمل. وكأن أردوغان قرّر أن يفجرها مع أوروبا، حتى يثير العاطفة القومية، ويضمن التفاف الأتراك حوله، وتصويتهم للنظام الرئاسي الذي يريده. وبإثارة أزمة دبلوماسية حادة، يضمن أردوغان أيضاً تعاطفاً أكبر من الخمسة ملايين تركي الذين يعيشون في دول أوروبا. ولعله يدرك أن ما يفسده الساسة سيصلحه التجار، فالتبادل التجاري بين تركيا ودول الاتحاد الأوروبي مفيد للجانبين، بما لا يسمح لملاسنةٍ دبلوماسيةٍ بتعريضه للخطر.
وكما قد يلتف الأتراك حول أردوغان، فإن اليمين الأوروبي سيستغل الأزمة لكسب الأصوات، مما قد يلحق الأذى بالجاليات التركية المزدوجة الجنسية في أكثر من دولة أوروبية. لكن هذا، فيما يبدو، لا يهم أردوغان، الساعي إلى نظام رئاسي، يقول أنصاره إنه يشبه النظامين، الفرنسي والأميركي. وربما كان الأدق القول إنه يشبه نظام فلاديمير بوتين السلطوي في روسيا.
“كانت تركيا دائماً إما تحت حكم أتاتورك الفردي المتسلط أو حكم العسكر، أو حكم المدنيين المهزوز. وبالنظام الرئاسي، ستكون تركيا تحت حكم شبه ديمقراطي لكنه مستقر”

لن تستطيع أوروبا التخلص من خمسة ملايين تركي، كثيرون منهم ولدوا فيها. وليس من مصلحتها أن تخسر تبادلاً تجارياً مهماً مع تركيا. لذا بدأ الأوروبيون سريعاً بالنزول عن الشجرة التي أجبرهم أردوغان على الصعود فوقها.
من مغازي هذه الزوبعة الدبلوماسية أنها كانت المسمار الأخير في نعش التطلعات التركية للانضمام إلى أوروبا. لم تعد تركيا تعبأ بالأمر، خصوصاً بعد أن تعرّض الاتحاد الأوروبي إلى لطمتين: بخروج بريطانيا، وباللامبالاة الأميركية الحالية بالحليف الأوروبي.
ولعل ما قوى عزم الرئيس التركي على فتح النار على الأوروبيين احتياجهم إلى تركيا لضبط تدفق اللاجئين السوريين على أوروبا. كما أن الأسلوب الفج للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أعاد صياغة الإتيكيت الدبلوماسي العالمي، بما يسمح بجرعة من الفظاظة.
لم تكن تصريحات أردوغان النارية غضبةً مضرية، بل هجمة دبلوماسية محسوبة، فإن فاز في الاستفتاء بعد شهر، وهذا ما ترجحه الاستطلاعات حتى الآن (ومن ذا يثق بالاستطلاعات بعد فوز ترامب!) فقد كسب حقاً، وإلا فقد خاض مغامرةً لن تكون عواقبها وخيمة.
يدرك الرئيس التركي بإحساس الأسد الجريح أن المخرج من أكبر أزمةٍ عصفت سنوات حكمه هو إلى الأمام لا إلى الخلف. والأزمة الكبرى ليست هولندا، ولا ألمانيا، بل الانقلاب الفاشل طبعاً. فبعد المحاولة الانقلابية، في صيف العام الماضي، رأى أردوغان خطه السياسي، الناجح اقتصادياً، والعلماني في جوهره، والإسلامي في مظهره، يتعرّض لهجمتين: هجمة المثقفين المترفين الذين يريدون لتركيا أن تستكمل التغريبة التي بدأها أتاتورك لتصبح أوروبية، وهجمة أهل التقوى الشعبوية الذين يمثلهم رجل الدين المنشق فتح الله غولن.
وليس أردوغان بأقل شعبويةً من غولن، ولا هو بأقل علمانية من المثقفين المترفين. وهو يقود تركيا إلى دور إقليميٍ تقصر دونه أعناق الفئتين المناهضتين له. كان معه بعد الانقلاب أغلبية تركية لا بأس بها، هي من الطبقة الوسطى التي انتفعت بالازدهار الاقتصادي غير المسبوق الذي حققه خط أردوغان. وباستمداد الزخم من هذه الطبقة، أقدم أردوغان على عملية تطهير كاسحة.
ولئن ظهر أردوغان، منذ الانقلاب وحتى زوبعة هولندا، في صورة الرجل الغاضب، فهو يخوض حساباتٍ معقدة بشأن الدور الإقليمي لبلاده.
بعد الانصراف شبه اليقيني عن الالتحاق بأوروبا، فإن العثماني الجديد ينظر جنوباً إلى سورية وما تحت سورية، فخصمه الإيراني قد استنفد بنك الأهداف في الشرق الأوسط، ولم يترك بقعة يمكن له فيها أن يعزّز نفوذه، من البصرة إلى لبنان، ومن القرداحة إلى صعدة، إلا واستغلها.

“يدرك الرئيس التركي بإحساس الأسد الجريح أن المخرج من أكبر أزمةٍ عصفت سنوات حكمه هو إلى الأمام لا إلى الخلف”

شاءت المصالح أن تكون المواجهة في الشرق الأوسط طائفية فكانت. ودخلت تركيا السنية قطباً مواجهاً للقطب الإيراني الشيعي. لكن تركيا لم تستنفد بنك الأهداف. وأمامها نصف العراق وثلاثة أرباع سورية ودول عربية أخرى أخذت تتطلع إلى قطب سني. وعند تركيا، فوق ذلك، صنبور المياه الذي يسقي سورية والعراق.
لن يكون الحكم الرئاسي المتوقع إقراره في تركيا ديمقراطياً على الطريقة الغربية، ولكنه سيكون توسعياً. ولأن المشاعر القومية الضيقة عند الأتراك ستمنعهم من محاولة ضم أراضٍ سورية أو عراقية، فيها عرب وأكراد كثيرون، فإن الذي يمكن للمنطقة أن تتوقعه نفوذاً تركياً متعاظماً، ودوراً فاعلاً لتركيا في تقسيم سورية والعراق تقسيماً يخدم أولاً المصالح التركية.
ما نشاهده من تشجيع السلطات التركية ملايين العرب على ممارسة النشاط السياسي في إسطنبول يؤشر على دور تركي مقبل في المنطقة. في إسطنبول، تتم تربية كوادر وقرون استشعار ستخدم النفوذ التركي. ولو كان وضع العرب يسمح لهم بأن يصنعوا شيئاً أفضل من الوقوع تحت النفوذ التركي لنصحناهم بأن يصنعوه.
لا داعي لذرف الدموع الأوروبية الكاذبة على الديمقراطية المتآكلة في تركيا، فلم يكن في تركيا منذ عبد الحميد حكم ديمقراطي: كانت تركيا دائماً إما تحت حكم أتاتورك الفردي المتسلط أو حكم العسكر، أو حكم المدنيين المهزوز. وبالنظام الرئاسي، ستكون تركيا تحت حكم شبه ديمقراطي لكنه مستقر.
فماذا لو جاء الاستفتاء برفض النظام الرئاسي؟ عندئذ سيقوم أردوغان بانقلاب، فبعد حملة التطهير لم يبق له، ولحزبه، أي إمكانية للنكوص.