d148c071-a472-446a-8a4b-fc641db39087.jpg

مقالات

لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا

صلاح الدين الجورشي

في حال أن الأزمة الاقتصادية في تونس استمرت من دون معالجة جدية لأسبابها وتداعياتها، فذلك سيؤدي الى تفكك النسيج المدني الذي يسهم حالياً في حماية التوازنات المجتمعية القائمة حالياً، والذي كان له دور حاسم في إنقاذ المسار الانتقالي.

إذا كانت الدكتاتوريات قادرةً على أن تتحكم في التناقضات الكامنة في صلب المجتمعات، وأن تكبتها بالقوة، وتؤجل انفجارها إلى حين، فإن الديمقراطية، في المقابل، إذا لم يصلب عودها وتستقر آلياتها، يمكنها أن تعجز عن إدارة الصراعات بين الفئات والمؤسسات، وتفشل في تحقيق التكامل والتوافق بين مختلف المصالح والمطالب، فتكون النتيجة كارثيةً على الجميع، بما في ذلك مؤسسات المجتمع المدني، وفي مقدمتها منظماته الكبرى.
هذا ما بدأ يحصل في تونس، بعد ست سنوات من الصراعات والتجاذبات المختلفة. وما حدث في صلب اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية يعتبر مؤشراً خطيراً قد ينذر بتداعياتٍ لن تكون في صالح الجميع. لقد قرّر، أخيراً، ممثلو قطاع النسيج في صلب الاتحاد الانفصال عنه، والبحث عن هيكل جديد للدفاع عن مصالحهم الحيوية، والتي يقولون إنها أصبحت مهدّدة، وأن مصانعهم ومؤسساتهم أصبحت على حافة الإفلاس.
ماذا حدث؟ وجدت كل الحكومات التي توالت بعد الثورة نفسها مدعوّة بالضرورة إلى الاستجابة لمطالب النقابات، والمتعلقة بزيادات متتالية في أجور العمال، وذلك لمواجهة الارتفاع المشط للأسعار. ونظراً إلى الوضع الصعب الذي يمر به قطاع النسيج، نتيجة ضغوط السوق الموازية، إلى جانب عوامل أخرى عديدة، فإن أصحاب المؤسسات طالبوا باستثنائهم من الزيادات الأخيرة في الأجور التي تم الإعلان عنها أخيراً، لكن صوتهم لم يسمع، ولم تأخذ به حتى قيادة منظمتهم، وهو ما دفعهم إلى شق عصا الطاعة، وإعلان مغادرتهم الهيكل الوحيد الذي كانوا يعتقدون أنه سيحمي مصالحهم بشجاعة.
يعتبر هذا القرار ضربة موجعة لاتحاد الصناعة والتجارة، لأن قطاع النسيج يشمل وحده قرابة ثلث المؤسسات المنضوية في هياكل الاتحاد. وبالتالي، فإن من شأن قرار مغادرة المركب بمثل هذا الحجم أن يحدث خللاً كبيراً في موازين القوى، كما يمكن أن تنجر عنه تداعيات سلبية على مجمل المعادلات الاجتماعية والاقتصادية في تونس، إذا لم تنجح المساعي الجارية، من أجل تطويق الأزمة، ومعالجتها بطريقة مختلفة.
إذا انتقلنا الى منظمة أخرى، لا تقل أهمية، ونعني بها الاتحاد العام التونسي للشغل، نلاحظ أيضاً الخلاف الجاري حالياً في صلبها بين القيادة النقابية ونقابة التعليم الثانوي وكذلك التعليم الأساسي التي قرّرت، من دون موافقة المركزية النقابية، القيام بإضراب مفتوح، لا يستأنف بموجبه الأساتذة والمعلمون التدريس، إلا بعد إقالة وزير التربية. ويعتبر هذا القرار خروجاً عن الانضباط النقابي الذي يستوجب إذا حصل إصدار عقوبات ضد مسؤولين نقابيين.
ماذا يعني هذا؟
هذا يعني أنه في حال أن الأزمة الاقتصادية استمرت من دون معالجة جدية لأسبابها وتداعياتها، فذلك سيؤدي الى تفكك النسيج المدني الذي لا يزال يسهم حالياً في حماية التوازنات المجتمعية القائمة حالياً في تونس، والذي كان له دور حاسم في إنقاذ المسار الانتقالي، لكنه يتعرّض الآن لتحدٍّ صعب، ويتمثل في تصاعد حجم الاحتياجات، في مقابل تراجع الاستثمار وتدهور الإنتاج والإنتاجية.
للتوافق حدود، إذ لكل عملية توافقية شروط وتنازلات متبادلة بين الأطراف المعنية، وإذا ما اختلت بعض الشروط، أو فقدت، ينهار التوافق، ويستعد الجميع لدفع أثمانٍ باهظة قد تغير المشهد بأكمله.

إعجاب تحميل...