أصدرت هيئة الداخلية التابعة للإدارة الذاتية الديمقراطية في مقاطعة الجزيرة «محافظة الحسكة» شمال شرقي سوريا، في منتصف شهر آذار/ مارس الجاري، بلاغًا بخصوص قانون ترخيص الأحزاب الذي أقرّه المجلس التشريعي التابع للإدارة الذاتية الديمقراطية في منتصف شهر نيسان/ أبريل 2014، والذي ينص على ضرورة مراجعة الأحزاب السياسية لجنة شؤون الأحزاب في مدينة عامودا، للقيام بإجراءات الترخيص، وأمهلت الهيئة الأحزاب السياسية في المقاطعة 24 ساعة لمراجعة لجنة الشؤون وتقديم أوراق الترخيص، وغير ذلك يتخذ إجراءات قانونية متبعة للإدارة الذاتية بحق هذه المكاتب.

أثار البلاغ الصادر عن الهيئة جدلاً حادًا في الأوساط السياسية في الشارع الكردي، حيث رفضت الأحزاب التابعة للمجلس الوطني الكردي في سوريا وعدد آخر من الأحزاب أن تقوم بإجراءات الترخيص لدى الإدارة؛ لتقوم قوات الآساييش التابعة للإدارة الذاتية، بعد انتهاء المهلة المسموحة، بإغلاق مكاتب الأحزاب التي لم تراجع لجنة شؤون الأحزاب.

غدا موضوع إغلاق مكاتب الأحزاب السياسية من قبل الإدارة الذاتية محط نقاش في المجالس ومواقع التواصل الاجتماعي، وانشطرت الآراء بين مؤيد ومعارض لهذا القرار، وأدان مسؤول بارز في حزب يكيتي الكردي في سوريا على صفحته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك» ممارسات حزب الاتحاد الديمقراطي والإدارة الذاتية، واصفًا هذه الممارسات بتحقيق لحلم محمد طلب هلال «رئيس الشعبة السياسية في محافظة الحسكة في الستينات من القرن الماضي»، ويدعي أنصار المجلس الوطني الكردي بأن هذه الإدارة فرضت سيطرتها على المنطقة باللجوء إلى أساليب العنف والبطش.. إلخ، ويتساءلون، من يعترف بهذه الإدارة حتى نعترف نحن بها؟

لكن لو وضعنا كل الخلافات السياسية بين الجهتين «الإدارة الذاتية والأحزاب المعارضة لها» جانبًا، أين تكمن المشكلة في أن تقوم الأحزاب المنضوية تحت راية المجلس الوطني الكردي والأحزاب الأخرى بأن تقوم بترخيص نفسها؟! سؤال قد يجيب عنه مسؤول في المجلس الوطني الكردي بإيجاز: من أين تستمد الإدارة الذاتية شرعيتها، حتى نطلب الترخيص منها؟!

هنا ندخل في صلب الموضوع، الإدارة الذاتية ومنذ تأسيسها قبل ثلاثة أعوام، تتجه صوب نيل الاعتراف الدولي بها، وأغلب الدول الغربية والولايات المتحدة الأمريكية صارت تعترف بشكل غير مباشر بهذه الإدارة ومشروعها، وتجلى ذلك خلال زيارة سرية للسيناتور الأمريكي جون ماكين لقوات سوريا الديمقراطية واجتماعه بقياديين بارزين في مدينة كوباني. وهذه الإدارة لها مؤسسات وهيئات وقرارات تسير وفقها الحياة السياسية والمدنية في هذه الرقعة الجغرافية.

إذن شئنا أم أبينا، هذه الإدارة تلعب دور السلطة في الشمال السوري «روج آفا»، وإصدار قرار كهذا أمر طبيعي يحدث في كل البلدان المتقدمة والتي توفر فيها مناخ ديمقراطي، فما الداعي لكل هذه المعمعة والجلجلة؟!

أكثر ما يثير الدهشة، كيف لتلك الأحزاب التي تأبى ترخيص عملها أن تخفض من مستوى نشاطها السياسي في الشارع الكردي بسبب قرارٍ كهذا، وأحدث هذه الأحزاب نشأة نشاطها يفوق الـ20 عامًا، وكيف تسمح هذه الأحزاب بما فيهم سكرتاريتهم أن يذهب نضالها وعملها السياسي هباءً منثورًا؟!

أعتقد أن قيام الأحزاب المنضوية تحت راية المجلس الوطني الكردي في سوريا، بإجراءات الترخيص لدى الإدارة الذاتية الديمقراطية لا يعني تأييدًا للإدارة، بل العكس بإمكان هذه الأحزاب أن ترخص عملها السياسي، وتعارض من تشاء وتمارس نشاطها السياسي بما يخدم أهدافهم في تحقيق آمال الشعب الكردي. حتى هذه الإدارة لا تطلب من تلك الأحزاب الولاء لها، بالإضافة إلى أنها سوف تقدم الخدمات الأمنية وحتى المادية لهذه الأحزاب المعارضة لها!

أخيرًا وليس آخرًا ينبغي على الأحزاب الكردية التي تعمل في مناطق الإدارة الذاتية الديمقراطية في الشمال السوري «غرب كردستان» أن تعود إلى رشدها وتقوم بإجراءات الترخيص، فتلك الأحزاب التي عملت دون كلل أو ملل ضمن ظروف قاسية وفي ظل قبضة النظام السوري التي كانت تضرب كل من كان يتحدث باللغة الكردية «الأم» بيد من حديد، اليوم سنحت لها الفرصة لممارسة نشاطها وأن تخطو خطوات على درب تحقيق أهدافها وآمالها.