مما أحوجنا هذه الأيام إلى نقد أنفسنا! إننا وقت تحدٌثنا عن المجتمع غالبًا ما نتغافل ساهين عن حقيقة أننا أفراد في هذا المجتمع، يسري علينا كل ما ننعت به الآخر، حين نصف مجتمعنا أنه «متخلف» نُسقط على أنفسنا بالضرورة صفة التخلف، لكننا نراها في الآخر غير عابئين بنقد أنفسنا أولاً لنغير المجتمع ابتداءً من أنفسنا.

إننا «كأفراد» في حقيقة أمرِنا لسنا نتاج أنفسنا، نحن وبالضرورة نتاج نمط ثقافيّ وفكريّ خارجيّ سابق لنا في الوجود، ذلك النمط يمُدّنا بكل المقاربات العقلية والفكرية لفهم الواقع والغير، ليكون الجواب على السؤال «لماذا لا أكتب إلا بالقلم الرصاص!» بسيط جدًا، هو أنني لا أثق إطلاقـًا في كل ما أعتقد أو أدّعي أنني «أعرف».

يخبرنا الرائع الدكتور مصطفى حجازي في كتابه «سيكولوجية الإنسان المقهور» كيف أن «كل معرفة لا تحمل في طياتها بذور تجاوزها ولا تفسح المجال لهذا التجاوز، هي معرفة مضللة منهجيًّا ويجب الحذر منها»، موجهًا إيانا إلى حقيقة أن أسوأ أنواع القهر هو ذلك الذي نُوقعه نحن على أنفسنا نتيجة تبنينا لأفكار ومعارف «فاعلة ومؤثرة» في واقعنا دون تدقيق أو نقد، بل قد يصل بنا الحال إلى أن نفقد «حريتنا» دون أن نعي نتيجة ذلك القهر المعرفي، يقول ميشيل فوكو في حوار له صدر عن منشورات الاختلاف بعنوان «همّ الحقيقة»: «إن الطريقة التي يفكر بها الناس ويكتبون ويحكمون ويتكلمون، حتى النقاشات في الشارع والكتابات اليومية، بل حتى الطريقة التي يستشعر بها الناس الأشياء والكيفية التي تثار بها حساسيتهم وكل سلوكهم، تحكمها في جميع الصور بنية نظرية ونسق يتغير مع العصور والمجتمعات ،إلا أنه يظل حاضرًا، إننا نفكر داخل فِكر مغفل وقاهر، هو فكر عصرٍ معين ولغةٍ معينة» هكذا نحن إذن، محبوسون داخل وعاء من الأفكار القاهرة حيث لا سبيل للتحرر إلا بالشك والنقد، وإن كان ثمّة درس هنا فهو ببساطة «لا تثق مطلقًا فيما توقِن أنك تعرف».

إن ثقافتنا العربية والدينية شديدة التجذر في التاريخ عميقة التأثير والفهم، لكنها ليست مستحيلة النقد، ولا حرية لعقل من دون نقد، هكذا علّمنا، ليس فقط الفكر المعاصر والحديث، ولكن أيضًا تراثنا المتوغّل في القدم، مثلاً أنقل عن عبد الله ابن المقفع أنه قال «إن استطعت ألا تحدّث بشيء إلا وأنت به مُصدّق وألا يكون تصديقك إلا ببرهان فافعل، فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإنك إن صرت للأحاديث واعيًا وحاملاً، كان ما تَعي وتحمل عن العامّة أكثر مما يخترع المخترع بأضعاف»، وهم -المفكرون الأوائل أقصد- لم يقتصروا على النصيحة فحسب، بل مارسوا النقد أيضًا، كما فعل صدر الدين الشيرازي منتقدًا الوضع الفكري السائد في بلدته أوائل القرن الحادي عشر الهجري قائلاً عن معاصريه في الفكر «العجب أن أكثر ما رأينا منهم يخوضون في المعقولات وهم لا يعرفون المحسوسات، ويتكلمون في الإلهيات وهم يجهلون الطبيعيات، وليس غرضهم في العلم إصلاح النفس وتهذيب الباطن وتطهير القلب، بل طلب الرئاسة والجاه وإرجاع الخلائق إلى فتاواهم وحكوماتهم، ولأجل ذلك يضمرون النفاق ويعادون أهل الحكمة والمعرفة».

لم أنتهِ هنا بعد، أعود فأنبه أنه حين نربي أبناءنا وذوينا فإننا نهتم بنقل المعرفة، لا أن نحث على صنعها، ولا نهتم بخلق روح نقديه تُخرج للمجتمع أفرادًا واعين حاملين للمعرفة مجددين لها، أفرادًا أحرارًا من تبعية ماض لم يُكتب بأيديهم، ماض يستحيل علينا وعليهم إثبات أو نفي كل ما وصل إلينا منه.