الحاصل فى تركيا يستدعى مجموعة من الأسئلة والملاحظات التى ينبغى أن نصارح أنفسنا وأشقاءنا هناك بها.

(١)
السؤال الأهم هو: هل نحدد موقفنا إزاء الرئيس رجب طيب أردوغان انطلاقا من العاطفة الدينية أم بناء على موقفه من الحرية والديمقراطية؟ ذلك أن أحدا لا يشك فى صدق عواطفه الدينية والتزامه كمسلم غيور على دينه، وهو ما يحسب له عند ربه فى الآخرة لا ريب. لكننى أزعم أن الأمر ينبغى أن يختلف فى حسابات السياسة الدنيوية. ومن فقهائنا من حسم المسألة، من ابن تيمية الذى قدم الكافر العادل على المسلم الجائر (فكفر الأول عليه وعدله لنا وإسلام الثانى له وجوره علينا) إلى العلامة يوسف القرضاوى الذى قال إن الديمقراطية مقدمة على الشريعة، باعتبار أن العدل والحرية من المقاصد الضرورية العليا التى لا ينبغى المساومة عليها.
أعترف بأننى أحد الذين قدَّروا الرئيس التركى وتضامنوا معه وتفاءلوا به. ذلك أننى أتابع نجاحاته وإنجازاته منذ انتخب رئيسا لبلدية استنبول قبل نحو ربع قرن. ولم يكن احتفائى به راجعا إلى غيرته على دينه فقط وذلك أمر مهم لا ريب، لكنه كان بالدرجة الأولى راجعا إلى انحيازه للديمقراطية وخدمة المجتمع وإنهائه لحكم العسكر الذى عانت منه تركيا طوال أكثر من سبعين عاما. مع ذلك فلست أخفى أننى صرت أقل حماسا وأكثر حذرا إزاءه فى السنوات الأخيرة. إذ وجدت أنه ينزلق فى التحول من حاكم مصلح إلى حاكم فرد ــ ورغم إن إنجازاته الاقتصادية أحدثت نقلة مهمة فى حياة الأتراك أكسبته شعبية جارفة، إلا أن نزوعه إلى الحكم الفردى أصبح يهدد النظام الديمقراطى، ومن ثم يعرض مستقبل المجتمع التركى لمخاطر جمة. وكانت دعوته إلى الانتقال إلى النظام الرئاسى الذى يطلق يده ويوسع من صلاحياته هى نقطة التحول الأهم فى مشاعرى إزاءه. ورغم أن حملة الاعتقالات والإقصاء التى شنها نظامه فى أعقاب المحاولة الانقلابية الفاشلة (فى 15 يوليو 2016) بدت مبالغا فيها، إلا أننا قد نفهم دوافعها، رغم أننا لم نتعرف بعد على حجمها الحقيقى وهوية الفاعلين فيها.
استطرادا من نقطة معايير تقييم تجربة الرئيس التركى فإننى لا أخفى تحفظا ودهشة إزاء البيان الذى صدر باسم اتحاد علماء المسلمين من مقره فى الدوحة، وعبر عن التضامن مع الرئيس أردوغان فى اشتباكه الأخير مع هولندا وأيده فى الاستفتاء على النظام الرئاسى باعتباره نظاما يتفق مع التعاليم الإسلامية «التى تجعل أمير المؤمنين أو الرئيس الأعلى هو رقم واحد فى السلطة». وأزعم فى هذا الصدد أنه بيان سياسى ما كان له أن يصدر عن اتحاد العلماء. وذلك خطأ أول. ثم أنه تضمن فتوى شرعية بتأييد النظام الرئاسى دون روية أو إدراك لمآلاته فى الحالة التركية، وذلك خطأ ثان. أما الخطأ الثالث فهو إجرائى لأن تقرير الموقف الشرعى كان ينبغى أن يتم بعد الرجوع للهيئة التنفيذية وفى ضوء المواقف العامة التى يحددها مجلس الأمناء المنتخب، وهو ما لم يحدث، بشهادة عضو مجلس الأمناء الدكتور جاسر عودة، الذى أصدر بيانا تحفظ فيه على ما صدر باسم الاتحاد فى مساندة الرئيس التركى.

(٢)
لدى شكوك كثيرة فى حاجة تركيا إلى النظام الرئاسى، ولدى شك أكبر فى أنه يتفق مع التعاليم الإسلامية. ولن أتحدث عن صلاحيات «أمير المؤمنين» لأن الرئيس التركى لم يدع لنفسه ذلك فضلا عن أنه دائم الحديث عن أن تركيا بلد علمانى وليس سلطنة أو خلافة إسلامية.
إن الحجة الرئيسية التى استخدمت لتحبيذ النظام الرئاسى تستند إلى أنه سبيل إلى تحقيق الاستقرار السياسى فى بلد عانى من الانقلابات والتقلبات السياسية فى ظل الحكومات الائتلافية المتعاقبة، التى أضعفت من دور السلطة التنفيذية وحضورها، ثم أن ذلك النظام مطبق فى الولايات المتحدة وفرنسا. ولم يذكر أحد فى أنقرة أن له مرجعية من أى نوع فى التعاليم الإسلامية.
وذلك كلام مردود عليه من أكثر من وجه، إذ صحيح أن تركيا عانت طويلا من الانقلابات والتقلبات التى هددت استقرارها، إلا أن ذلك الاستقرار يتحقق بتقوية مؤسسات المجتمع وليس بتشديد قبضة السلطة. أعنى بتوسيع نطاق الديمقراطية وتعزيز دور المؤسسات المدنية والحفاظ على استقلالها مع التأكيد على الفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وتلك مقومات يعصف بها النظام الرئاسى المقترح. ذلك أنه يطلق يد الرئيس فى تعيين وإقالة كبار المسئولين ويعطيه الحق فى تعيين نائب أو عدد من النواب. ثم أنه يلغى منصب رئيس الوزراء، ويسمح للرئيس بالتدخل فى القضاء من خلال تعيين أربعة من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء الذى يتولى التعيينات والإقالات، فى حين يعين البرلمان سبعة. ثم أنه أعطى الحق فى إعلان الطوارئ قبل عرض القرار على البرلمان الذى يحق له اختصارها أو تمديدها أو رفعها.
هذه الإجراءات التى أدت إلى تعديل 18 مادة فى الدستور، تقوى كثيرا من سلطة الرئيس فى حين تضعف من بقية مؤسسات المجتمع وتكاد تهدر قيمة الفصل بين السلطات. وفى هذه الحالة فإنها تهدد المجتمع بمخاطر عدة، ذلك أن أردوغان إذا لم يسئ استخدامها أثناء حكمه (الذى يفترض أن يستمر حتى عام 2029 فى ظل التعديلات الجديدة)، فليس هناك ما يضمن أن يخلفه من يوظف تلك التعديلات لإقامة نظام ديكتاتورى مستبد.
أما مسألة تطبيق النظام الرئاسى فى الولايات المتحدة وفرنسا فمردود عليها بأن تلك مجتمعات ترسخت فيها الديمقراطية، بحيث توافرت لها ركائز قوية وحصانات راسخة يتعذر الإطاحة بها من قبل أية سلطة. يشهد بذلك الحاصل الآن فى الولايات المتحدة فى مواجهة نزق الرئيس ترامب وسعيه لإهدار قيم الديمقراطية فى المجتمع. إذ وجدنا أن القضاء والإعلام يتحداه ويقف له بالمرصاد. ومثل هذه القوة لا تتوافر للمجتمع التركى فى وضعه الراهن. وربما كان بوسعه بعد عقد أو اثنين من الممارسة الديمقراطية الجادة أن يستقبل نظاما رئاسيا دون أن تتحول النقلة إلى مغامرة غير مأمونة العاقبة.
حكاية اتفاق النظام الرئاسى مع التعاليم الإسلامية مردود عليها ومشكوك فيها. وما نفهمه أن النظام الإسلامى لم يحدد شكلا للحكم ولكنه اعتمد قيمة الشورى كأساس للحكم. حتى الخلافة التى هى خلفية ثرية نعتز بها تاريخيا، فإنها مجرد تجربة نجحت فى ظروفها، لكنها لا تلزم المسلمين الذين لهم أن يقيموا النظام الذى يرتضونه ويحقق مصالحهم طالما أن ذلك تم من خلال الشورى والتوافق بين القوى الحية فى المجتمع.

(٣)
أدرى أن التجربة التركية لها خصوم كثيرون فى الداخل والخارج. كما أن حملة الإعلام على الرئيس أردوغان حقيقة لا مراء فيها. ولا أستبعد أن تكون تلك الحملة قد أسهمت فى تنمية مشاعرنا السلبية إزاءه، إلا أننا ينبغى أن نقر بأن معاركه التى يخوضها فى الداخل وبالأخص فى الخارج ليست كلها راجعة إلى العداء للإسلام الذى له جذوره فى بعض الأوساط اليمينية. من ثم فليس دقيقا أنه يخوض حربا «صليبية» تشنها ضده بعض الدوائر الغربية. ذلك أن بعض معارضيه لهم غيرتهم على القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما أنه يمكن فهم مواقف بعض الدول الأوروبية التى منعت إقامة المهرجانات المؤيدة فى بلدانها. لحسابات داخلية بحتة منها عدم تمكين قوى اليمين من المزايدة فى المعارك الانتخابية. إذ بوسعها أن تعتبر النشاط التركى على أراضيها من إرهاصات «الغزو الإسلامى» الذى يجرى تخويف الأوروبيين وترويعهم منه.
إن بلدا مثل ألمانيا الذى تسلحت قيادته بشجاعة أخلاقية دفعتها إلى فتح أبوابها للمهاجرين المسلمين وغيرهم يتعذر وصفه بأنه ضد الإسلام، وما كان له أن يتهم بالنازية كما قال الرئيس أردوغان. فى الوقت نفسه فإن التجاذب الحاصل الآن الذى يقحم الإسلام فى الصراع مع بعض الدول الغربية من شأنه أن يضر بالوجود الإسلامى فى أوروبا التى تحتضن نحو 20 مليون مسلم، منهم 5 ملايين من الأتراك (أكبر عدد للجاليات المسلمة فى ألمانيا وفرنسا). ومثل ذلك السلوك الانفعالى من جانب القيادة التركية قد تستفيد منه تكتيكيا فى حملة الاحتشاد لتأييد الاستفتاء المزمع إجراؤه على التعديل الدستورى فى منتصف إبريل المقبل. لكن تلك القيادة وهى تسعى لتحقيق الهدف التكتيكى تضحى بهدف استراتيجى مهم يخص علاقة المسلمين الأوروبيين بالمجتمعات التى هاجروا إليها وأصبحوا جزءا منها بمضى الوقت (رئيس بلدية روتردام الذى منع مؤتمر الدعاية التركية بهولندا من أصول مغربية).
لقد تبنت تركيا يوما ما مقوله الدكتور أحمد داود أوغلو التى أطلقها حين كان وزيرا للخارجية ودعا فيها إلى «تصفير المشكلات». بمعنى إنهائها والوصول بها إلى درجة الصفر. وأخشى أن تكون مؤشرات السياسة التركية قد تجاوزت تلك المرحلة بحيث أصبحت البلاد غارقة فى المشكلات التى أثرت على مناخات الخارج والداخل. وكان ذلك جراء سلسلة من الأخطاء فى التعامل مع ملفات عدة، السورية والكردية والمصرية وصولا إلى ملف التحول إلى النظام الرئاسى.

(٤)
لدى كلمة أخيرة فى الموضوع لا أستطيع أن أقاوم المفارقة فيها. ذلك أننى أتفهم أسباب الانتقادات الأوروبية للوضع القائم فى تركيا، خصوصا فى قضايا الحريات العامة وحقوق الإنسان وطموحات الرئيس وانفعالاته. ذلك أن الديمقراطيات الغربية لها الحق فى أن تعتبر بعض الذى يحدث فى تركيا من قبيل الكبائر التى لا تغتفر. ولها معاييرها وواقعها الذى يشجعها على توجيه تلك الانتقادات. لكن الذى لم أفهمه هو لماذا يتبنى كثيرون فى منابر الإعلام العربى تلك الانتقادات ولا يكفون عن ترديدها. وجه المفارقة فى ذلك أن ما يفعله أردوغان أقل بكثير عما يفعله أى زعيم عربى بشعبه، فالرجل أحدث طفرة اقتصادية فى بلده، ولايزال يحتمل نقدا فى بعض الصحف ومعارضة فى البرلمان الذى أفرزته انتخابات نزيهة. كما أن أجهزته تعلن عن أعداد المعتقلين والمفصولين والمؤسسات التى تصفى أو تغلق. ونقيض كل ذلك يحدث فى أقطار عربية عدة لكنه يقابل بتجاهل وصمت، ويغطى أحيانا بشعارات طنانة وخطب منبرية عصماء تشيد بالبطولات الخارقة والإنجازات العظيمة وتروج للأوهام والأساطير والخرافات السياسية.
إن اتهامات صحفنا لأردوغان هو نقض للذات العربية فى حقيقة الأمر.