إن أسوأ ما يصيب الإنسان هو عدم معرفته لذاته الخفية الكامنة بأعماقه، والحاوية على مناجم نفسه ومخازن طاقته ونقاط قوته وضعفه، فالواحد منا يفوته الكثير والكثير بسبب عدم إدراكه ومعرفته لكُننِه! وما الذي هو قادر على فعله، فكم تضيع فرص ولحظات وسنين بسبب التيه الذي هو فيه!

معرفة الذات.. شيء لم نتعلمه في المدارس

في البلدان الغربية وفي مختلف المجتمعات، تجد الطفل الصغير يعبر عن ما يجول في خاطره، يتكلم عن طموحه وشغفه، هوايته وقدراته، أهدافه الماثلة أمامه، يتكلم عن ذلك دون أن يشعر بالحرج أو خوف؛ لأنه حصل على التحيز وتعزيز الثقة بذاته من مجتمعه ومحيطه الواعي.

ومن جهة أخرى فإن الفرد العربي ينتبه متأخرًا لهذه الأشياء؛ فيبدأ يتكلم عن أهدافه وطموحه بعد أن عرف ذاته في مرحلة عمرية متأخرة، وبعد أن اشتعل الرأس شيبًا، يبدأ متأخرًا بالاكتشاف الفعلي والحقيقي لنفسه. ليجد نفسه أمام أسئلة عميقة، ما الذي أوصلني إلى هنا؟ ولماذا اخترت هذا العمل؟ وقتها يكون جل عمره فات.

في المدارس لم يطرحوا علينا الأسئلة التي قد تكون هي الأهم في حياتنا، وهي: من أنت؟ هل تعرف نفسك؟ ما هي نقاط قوتك؟ ما هي نقاط ضعفك؟ ما هي صفاتك ومميزاتك؟ ما هي أهدافك في الحياة؟ كيف تتأكد من صحة ما تعرفه عن نفسك؟ كيف تقرأ مشاعرك ومشاعر من حولك؟ وإذا كنت لا تعرف الكثير عن نفسك وعن قدراتك فكيف تتعرف إليها؟ كيف تكتشف مواهبك؟ وكيف تكسر حواجز النفسية وتفك القيود لطاقاتك؟ كيف تصقل نقاط قوتك وتقوي نقاط ضعفك؟ كيف تبني لحياتك رؤية مستقبلية ومهمة سامية؟ كُلها بمعرفة ذاتك!

معرفة وتطوير الذات

معرفة الذات من أكبر الإشكاليات لدى البعض، بل والكثير غافلون عنها بسبب كثرة التواصل مع الآخرين، والتأثر بهم، وعدم الخلوة بالنفس والتخاطب معها، فالواحد منا لا يدري نفسه جيدًا، فهو  شخص ما، يتقمص بمن يحيطون به شخصيةً أقرب إليهم منها إليه، بدءًا من طريقة كلامه، وحتى اختياراته الكبرى في حياته (التخصص، العمل، الزواج…)، وهكذا لا وجود لمجهود فردي نابع من نهر الذات!

إن معرفة وتطوير الذات هو الطريق والنهج الذي يتبعه الإنسان في حياته، ويتحصل من خلاله على عدة مقومات تجعله يشعر بالقوة والرضا عن نفسه وعن عمله، ما يشعر بالسلام والأمان الداخلي، فيبدأ التركيز على أهدافه في الحياة التي يعيشها،ولتحقيق ذلك لا بد له من: مُحاورة النفس، وفهم حقيقة المشاعر التي تختلج صدره، وهذا الفهم العميق لهذه الأحاسيس والمشاعر المختلفة والمركبة في الكثير من الأحيان يحتاج إلى صبر، وصراحة مع النفس لا نظير لها، عندها فقط ستتضح الصورة، وسيعرف كل إنسان نفسه بشكل أفضل، بالإضافة إلى التفكير العميق بالهوايات، والتخطيط الجيد للحياة من خلال وضع هدف رئيسي وأهداف فرعية، كما ينبغي أن يعرف الإنسان نقاط قوته، ونقاط ضعفه حتى يستطيع أن يطوّر من نفسه بشكل أكبر.

معرفة الذات هي مفتاح التطوّر والنجاح في هذه الحياة

إن التأمل في الذات والغوص في أعماقها، يتيح لنا الفرصة لتسليط الضوء على طريقة تفكيرنا ومشاعرنا، والمعايير والقيم المحفزة لتحركاتنا وتطلعاتنا.

إذا عرف المرء ما يُريد، تمكن من تحديد مسارِه، والعمل على الوصول إلى بُغْيته، وذلك ما سيجعل لحياته معنى ونظامًا، إن تحديد أهدافك على المدى البعيد، يسنح ويسمح لك بالحفاظ على تركيزك، ويفجر داخلك آليات ووسائل للإنجاز والتفوق في المهام المتعلقة بنا، سواء على المستوى الشخصي، أو المهني.

العزلة الاختيار المفضّل لمعرفة الذات

وفي الأخير معرفة الذات هي بمثابة خطوة وطريقةٍ حقيقيةٍ من أجل التعامل مع الحياة بشكلٍ يسير، وبدون أن يحدث لنا أي مشكلاتٍ قد تدمر حياتنا، وتقضي على ما تبقى منها، لا بد من عزلة ووقفة مع النفس لمعرفة ذاتنا معرفة تجعلنا نصحصح ما يجب تصحيحه، ونثمن ما يجب تثمينه، فالعزلة تسمح لنا بالإبحار والغوص في داخلنا، وتسمح لنا باكتشاف مواهبنا وخصائصنا التي تميزنا عن غيرنا، وتسمح لنا بالتخطيط للمستقبل بعيدًا عن كُل المعيقات والمثبطات.